الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٢٦أو إلغاء مذهب آخر رام المحال ولم يزد المسلمين إلا تباعدا وتفرقا، فقد اقتضت مشيئة الله أن يختلف البشر، كما اقتضت الطبيعة البشرية أيضا أن يتفرّق الناس ويقع التنازع بينهم أحيانا؛ إلا أنّ واجب المؤمنين حينئذ هو نشر قيم التسامح والاحترام والتحاور والتناصح وإصلاح ذات البين، وإرجاع الحق المهضوم لصاحبه، ونصرة المستضعفين؛ وكل هذا تجسيد لمبدأ الأخوّة الذي أوصى به المولى سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة الحجرات: 10]؛ ومن هنا فأمر الوحدة مطلب استراتيجي ومصيري، شرعي وحضاري فردي، وجماعي، وأثره دنيوي وأخروي.
خامسا دور منهج العرض على القرآن في حلّ مشكلة الاختلاف. إذا كانت مشيئة الله تعالى وحكمتُه اقتضَتْ أن يختلف الناس أديانا ومذاهب شتى؛ فإنه من فضله ورحمته لم يتركهم يتخبطون في الضلالات دون أن يرشدهم إلى موردٍ يدركون منه الحق، بل أنزل مع كل رسول كتابا؛ ليبقى نوراً تسترشد به أمته حال اختلافها، حيث يقول تعالى: وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [سورة البقرة: 213]، وبالنسبة لأمة محمد الله فكتابها هو القرآن الكريم، الذي هو المرجع والحكم عند اختلافها، بدليل قوله تعالى على لسان المصطفى: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ. وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [سورة الأنعام: 114 - 115].
وفسّر حمو الشيهاني (معاصر) وصف القرآن الكريم بأنه حَكَم بقوله: "إذا تناقضت الأخبار واختلفت الرؤى فيما لا يجوز الاختلاف فيه؛ فلا بدّ من حَكَم عدْلٍ يُردّ إليه فيما اختلف فيه، ولا حَكَمَ أعدل من القرآن الكريم؛ لأنه كلام ربّ العالمين، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد أرشدنا الله إلى ذلك في قوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة الشورى: 10]، فالقرآن الكريم هو الميزان الحق الذي تقاس عليه كلّ ما سواه من معتقدات البشر وأقوالهم وسلوكهم، فكيف يتمادون في اختلافهم وتنازعهم وعندهم القرآن فيه
حكم الله؟!.
211
والاضطراب والتعارض بين أحاديث الأمة بشتى مدارسها يعدّ تفرّقاً في الدين، وحالةً غير سليمة، سيما في أصول مسائل الإيمان؛ فيجب عليهم تقويمها وعلاجها، ولا يحق لأي مدرسة الزام سائر الأمة بصحاحها؛ فلا قداسة في غير كتاب الله المحكم، وقد أبى الله تعالى أن يتم غير كتابه، فكل ما سواه فيه مأخوذ ومتروك؛ إذن فليس هناك بد من الاحتكام إلى كتاب الله العزيز، والرجوع إليه لحل الخلاف؛ استجابةً لأمر الله تعالى الذي يأمر البشر بالاعتصام بالبينات ونبذ التفرّق بعد مجيئها، وليس لهم مخرج من اختلافهم في الحديث إلا بعرضه على كتاب الله
207
عمار جيدل، الحوار بين المذاهب الإسلامية، مرجع سابق، ص 355. الشيهاني، المنهج العقدي عند الشيخ بيوض، مرجع سابق، ص 119.
حمو
1
2