الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٣له على جهة القطع بأنه ليس من جنس ما يمكن أن يصنع البشر، فدلّ على عدم وجود بشر نجح في تحدّي مضاهاة كتاب الله تعالى.
ويظهر إعجاز القرآن وأسلوبه الفريد عند قراءة أي إنسانٍ لآياته متمعنا في أسلوبه وخصائصه؛ حيث يجزم بأن "قائل هذا الكلام محيط بعلم السموات والأرض، مشرف على الأوّلين والآخرين، خبير" بأغوار الضمائر وأسرار النفوس، يتحدّث إلى الناس تحدُّثَ السيد الحقيقي إلى عباده الذين خلقهم بقدرته، ورتاهم بنعمته، ويتناول الأمم والقرون في هالة من الجبروت والتعالي، يستحيل أن تلمح فيها شارةً لتكلُّف أو ادعاء"، فهو كلام الخالق إلى
مخلوقه وكلام الرّب المهيمن إلى عبده الضعيف.
ثانيا: توثيق القرآن الكريم.
من
أسماء القرآن الكريم: القرآن والكتاب، وقد روعي في تسميته قرآنا كونه متلوا بالألسن، كما روعي في تسميته كتاباً كونه مدوّناً بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية شيءٍ بالمعنى الواقع عليه … ، وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد؛ أعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعا .... فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب، المنقول إلينا جيلا بعد جيل، على هيئته التي وضع عليها أول مرة ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر، فهذا الحفظ المزدوج لفظا ورسما - يعدّ أعلى مرتبة في القوة والوثوق.
211
وقبل ذلك فقد تعهد الله تعالى في القرآن الكريم بحفظ كتابه وصونه عن أي تحريف أو تبديل، أو أن يتطرّق إليه شيء من باطل أو زيادة أو نقصان؛ إذ يقول في محكم تنزيله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [سورة الحجر: 9]، ووصفه بقوله: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [سورة فصلت: 41 - 42]؛ وهذا على خلاف الكتب السماوية السابقة التي تعرّضت
للتحريف والتبديل.
ويتمثل هذا التعهد بالحفظ من قِبل الله بأن يسر للقرآن الكريم جميع أسباب الحفظ والصون؛ فإضافةً إلى الحفظ في الصدور فقد تمت كتابته بين يدي رسول الله له بأمر صادر منه إلى عدد من منه إلى عدد من كتاب الوحي المعينين بصفة رسمية، ثم جمعه في عهدي أبي بكر وعثمان في ظل إجماع الأمة، وقبل تشتتها وتفرّقها، ونتيجة لهذا الحفظ الإلهي نجد اليوم نسخة واحدة من المصحف يتم استنساخها وطبعها وتداولها بالرسم نفسه في جميع أنحاء العالم
1
2
محمد الغزالي، القرآن وليلة القدر، ط 1، دار نهضة مصر، مصر، دت، ص 22.
محمد عبد الله دراز، النبأ العظيم نظرات جديدة في القرآن، دط، دار الثقافة الدوحة، 1405 هـ/1985 م، ص 12 - 13؛ وينظر: خالد عبد الرحمن العك، تاريخ توثيق نص القرآن الكريم، ط 2، دار الفكر، دمشق، 1986 م، كله.
4