الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٤الإسلامي، بين جميع المسلمين بمختلف مدارسهم سنة وشيعة وإباضية .... ؛ فلا يوجد في العالم أجمع نسخة من المصحف تتعارض مع النسخ الأخرى.
وبالنظر إلى هذه المميزات والخصائص في حفظ كتاب الله تعالى؛ يُفترض ألاً يُلتفت أصلا إلى دعوى القول بتحريف القرآن الكريم؛ فلو كان هناك تحريف للقرآن الكريم لكانت نتيجته الحتمية اختلاف المصاحف بين المسلمين في شتى البقاع في الماضي والحاضر، بينما لا نجد ذلك في الواقع؛ وقد نفى الله تعالى وقوع هذا في كتابه فقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [سورة النساء:82]. ولذا فجمهور علماء المدارس الإسلامية متفقون على عدم القول بالتحريف ويردّون بشدة على من يزعم
ذلك مستندا إلى مرويات مردودة في كتب الحديث والآثار وننقل هنا نصوصا لبعض العلماء من كل مدرسة. فمن أهل السنة؛ قال محمد بن عمر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير آية وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ: "وإنا نحفظ ذلك الذكر من التحريف والزيادة والنقصان ونظيره قوله تعالى في صفة القرآن: ﴿وَلَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [سورة فصلت: 42] وقال: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [سورة النساء: 82]، فإن قيل: فلم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف وقد وعد الله تعالى بحفظه، وما حفظه الله فلا خوف عليه؟ والجواب: أنّ جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله تعالى إياه، فإنه تعالى لما شاء حفظه قيضهم لذلك "2، فبيّن تكفل الله بحفظ كتابه العزيز من التحريف والتغيير، وأنه قيض السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لحفظ كتابه بالكتابة في السطور والجمع في الصدور.
وفند محمد الغزالي (ت 1996 م) شبهة التحريف واختلاف المصاحف قائلاً: سمعتُ واحدا من هؤلاء يقول في مجلس علم إن للشيعة قرآنا آخر يزيد أو ينقص عن قرآننا المعروف فقلت له أين هذا القرآن؟ إن العالم الإسلامي الذي امتدت رقعته في ثلاث قارات ظلّ من بعثة محمد إلى يومنا هذا بعد أن سلخ من عمر الزمن أربعة عشر قرنا لا يعرف إلا مصحفا واحدا مضبوط البداية والنهاية، معدود السور والآيات والألفاظ؛ فأين هذا القرآن الآخر؟! "، فأكد أن القرآن الكريم - في الواقع - واحد بين جميع الأمة بشتى مدارسها.
ومن المعتزلة؛ قال الزمخشري (ت 538 هـ): "وهو حافظه [أي القرآن] في كل وقت من كل زيادة ونقصان وتحريف وتبديل بخلاف الكتب المتقدّمة؛ فإنه لم يتولَّ حفظها، وإنما استحفظها الربانيين والأحبار، فاختلفوا فيما
1
اللهم إلا الاختلاف اليسير المهمل بين القراءات، الذي يرجعه بعض العلماء إلى اختلاف الأحرف التي أنزل بها القرآن الكريم منذ عهد النبي للتيسير، وهو مقتصر على الاختلاف اللفظي، ولا يؤثر في المعنى على نحو التضاد أو التناقض.
2
3
محمد بن عمر فخر الدين الرازي، مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير، ط 3، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1420 هـ، 123/ 19. محمد الغزالي، دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين، ط 7، نهضة مصر، القاهرة، 2005 م، ص 219 - 220.
5