الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٢٣٠

معتبراً أنّ معيار الأخذ بالحديث هو مطابقته للحق لا أن يوافق فلاناً أو يخالف آخر، ففى روايات مدرسة أهل السنة ما هو مطابق للحق فيُؤخَذ، ومنها غيرُ ذلك فيُطرح؛ لأن الحق لا يُعرف بالرجال وإنما يُعرف الرجال بالحق كما يقال -.

وإذا كان الله جل شأنه هو الذي يؤلّف القلوب، فمهما كانت محاولات التوحيد ومقاربات التقريب جادّة؛ فإنها ليست مضمونة النجاح، إلا إذا كانت وفق ما يريده الله تعالى؛ لأنه هو مصدر التوفيق، حيث يخاطب نبيَّه قائلا: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [سورة الأنفال: 63]، فكما هو معلوم أنه قد بذلت محاولات عديدة للتقريب والحوار بين المذاهب، وهي مبادرات مشكورة قيمة لكن نتائجها محدودة، وغالبا ما انتهت بتثاقل الخطى تجاه الموضوع أو الفشل فيه؛ ويأتي هذا البحث في سياق محاولة الكشف عن آلية ربّانية للتقريب والتحاور بين المدارس الإسلامية، تقوم على الأسس العلمية الجادة والمبادئ الإيمانية، وليس على المجاملات الأدبية أو المطامح المذهبية والسياسية، وتتمثل هاته الآلية في عرض التراث الحديثي المذهبي أي كان - وإن كان صحيحا عند أهله - على كتاب الله تعالى الخالص، والاحتكام إليه، وخاصة في مجال الإيمانيات ولا يتأتى هذا إلا برسم المعالم والأبعاد وإرساء الضوابط المنهجية والعلمية لهذا المشروع الواعد، والتي نتوخاها من خلال هذا البحث بحول الله تعالى.

المطلب الثالث: دور العرض في الحضارة الإسلامية.

من أهم أسباب تأخر المسلمين وسقوط حضارتهم - في رأي الباحث: الأزمة المعرفية، والتشتت، والبعد عن شرع الله، وقد كان دعاة الإصلاح والتجديد في الأمة ينبهون ويحذِّرون من أن الأمة الإسلامية تقف على شفا جرفٍ من السقوط الحضاري لسوء أوضاعها في شتّى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ونحن لا نملك اليوم إلا أن نعترف بسقوطها وتقهقرها بالرغم من كل ما تمتلكه من مقوّمات حضارية وثروات بشرية ومادية، وقد اجتهد هؤلاء المصلحون في تشخيص داء الأمة وتباينت آراؤهم بين إرجاع الأمر إلى الطغيان السياسي أو انتشار الفكر الخرافي والسلبي ونحو ذلك، وكانت محاولاتهم على قدر عال من الجدية والإخلاص، إلا أنها لم تكن كفيلة بإيجاد الحلول العميقة والجذرية لمشكلات الأمة وأدوائها ولا ننفى أنها تركت أثراً مهما في إيقاظ الضمائر المسلمة وصحوتها للتحرّر من المستعمر الأجنبي المحتل؛ وبالفعل تحقق لها ذلك، لكنه عاد بعد ذلك ليستعمر بأسلوبين جديدين: الأول؛ أسلوب الحكم بالوكالة، بتنصيب أذياله على رأس الشعوب المحرّرة والتحكم فيها عن بعد، والثاني؛ أسلوب الحرب بالوكالة بإيقاد نار العداوة والتقاتل بين أبناء البلد الواحد والدين الواحد.

1 ينظر: الموسوي، بيرامون ظن فقيه (بالفارسية)، ص

109؛ نقلا عن حب

الله

حيدر، نظرية السنة، مرجع سابق، ص 599.

211