الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٣١ومادامت المرويات والنصوص المقدسة هي التي تصنع ثقافة الأمة؛ فلا بد من التعمّق والغوص أكثر في البحث عن علاج جذري للأزمة الفكرية للأمة؛ وذلك بتخليصها من الشوائب المخدّرة لطاقاتها والمسببة لخمولها، ونبين ذلك من خلال الآتي.
هائلا
أولا: أثر التراث الحديثي على الحضارة الإسلامية.
لم يجد أعداء الإسلام والمسلمين وسيلة لتدمير حضارة الأمة الإسلامية أنجع من تراثها الذي يحمل كما من الأحكام التقويمية على بعضهم البعض كالتكفير والتفسيق والتضليل، وقد تزامن إثارة الخطاب المذهبي مع انتشار الفضائيات وتطور وسائل التواصل وإتاحتها بشكل غير مسبوق، فكانت النتيجة ما نراه اليوم من حروب طاحنة بين الطوائف الإسلامية، لا يستفيد منها أي طرف منهم، وإنما تأتي على الأخضر واليابس،
فتحوّل عمرانها إلى خراب وحضارتها إلى رماد؛ وقد فعلوا بأنفسهم ما لم يفعله العدو بهم مدة قرون.
وكما أنّ للروايات المذهبية والتاريخية أثرا على مستوى المنهجية المعرفية، فلها أثر مهم أيضا على الحضارة، "فالمستحضر للتاريخ على حساب الرؤية الحضارية التي يؤسس لها التوحيد سيضيع إن آجلا أو عاجلا الأبعاد الإنسانية في دينه؛ لأنه ينظر للدين كتاريخ يجب أن يُجسَّد وفق صورة سابقة لها ما يبررها بصرف النظر عن موقفنا منها، وهم كهذا يجعل الدين غارقًا في المذهب عوض أن يكون العكس، وبهذا ضعفت لدى الأمة الرؤية العالمية والرحمة الإنسانية التي بعث لأجلها سيّد المرسلين، فتراجع دورها في إنقاذ البشرية ونفع العالمين.
وقد بينا في العنصر السابق أنّ لعرض الحديث على القرآن دورا مهما في توحيد المرجعية الإسلامية، وبناءً عليه؛ فإنّ له أيضا دورا بارزا على الحضارة الإسلامية؛ إذ هناك فوائد حضارية عديدة للوحدة بين المسلمين، فهي تقوّي شوكتهم وتحقق عزتهم وترفع روحهم المعنوية؛ لأنها تخيف الأعداء وتُلقي الرعب في قلوبهم، كما تساعد المجتمع الإسلامي على مواجهة التحديات، والتحرّر من التبعية الفكرية والحضارية، وتقديم النموذج الإسلامي الراشد للإنسان المعاصر، وهي الدعامة الوطيدة لبقاء الأمة ودوام دولتها ونجاح رسالتها؛ ومن مزايا الوحدة على مستوى الفرد أنها تُذكي فيه روح التفاؤل والأمل والتفوّق في العمل والتنافس الشريف، وفوق هذا كله: نيك البركة والتأييد الربّاني للمعتصمين المستمسكين بحبله؛ لأنّ يدَ الله الجماعة. مع
وأكد شريعت سنغلجي (ت 1943 م) أنّ المسلمين لما هجروا القرآنَ كان نصيبهم الفشل والخسران، والحل الوحيد عنده- يكمن في الرجوع إلى الكتاب الكريم؛ وهذا بناءً على أنه نص إلهي غير محرّف، وقابل للفهم
1
3
2
عمار جيدل، "الحوار بين المذاهب الإسلامية، مرجع سابق، ص 370 - 371.
عبد الله بن علي بصفر، وحدة الأمة في القرآن الكريم ar.islamway.net، 2018/06/19 م. شريعت سنغلجي: من أعلام حركة التنوير والتجديد الديني في إيران، تتلمذ على كبار علماء الحوزة العلمية في النجف، إلى بلغ درجة آية الله، نادى إلى أن التوحيد هو أساس الدين وركيزته والعودة إلى القرآن، ونبذ الغلو والخرافات الكثيرة، ألف كتباً عديدةً من أهمها كتابه (توحيد العبادة) الذي نقد فيه كثيراً من العقائد والممارسات الشيعية. ينظر: http://alasr.ws/articles، 2018/11/07 م.
212