الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٣٣وقد انتشرت في عصور الانحطاط مرويات ومقولات تدعو إلى التقليد وترك الاجتهاد، وانتظار عصا سحرية كالمهدي؛ ينزل من السماء ليمكن للدين ويحقق العدل والانتصار للأمة؛ ومن آثار أفكار كهذه أن ارتفعت موجة العلمانية والإلحاد في البلاد الإسلامية؛ بسبب شيوع خطاب ديني أضحى في نظر بعض المسلمين قرين الرجعية والخرافة والتخلّف، فاتخذوا من الثقافة الغربية بديلا عنه؛ لما وجدوا فيها من اتخاذ للأسباب وأخذ بناصية العلوم، فظل المجتمع المسلم بذلك مستهلكا بدل أن يكون منتجا، وأوضح ذلك طه العلواني (ت 2016 م) قائلا: "إنّ أمتنا اليوم تقتات فئاتها المتعلمة بإحدى ثقافتين: ثقافة تاريخية موروثة لها كل ما لعصور وبيئات إنتاجها من خصائص، وثقافة مستوردة مترجمة وغير مترجمة؛ وأمام كل من الثقافتين يقف عقل المسلم المعاصر موقف المنفعل والمستهلك الثقافي، وما كان لعقل عاجز عن الفعل قانع بدور الانفعال وقاصر عن الإنتاج الثقافي مكتفٍ بالاستهلاك أن يبني دولة أو يشيد أمة أو يصنع حضارة"، هذا، في حين دعا القرآن المجيد أمة الإسلام إلى أن تكون قائدةً لا منقادة؛ كيف لا وهي خير أمة أخرجت للناس، وقد جعلها الله تعالى أمة وسطا؛ لتكون شاهدة
على الناس.
وبين عبد الحميد أبو سليمان (معاصر) أنه إذا لم يتغيّر منهج التفكير وتصحح منطلقاته فسوف يبقى العقل المسلم عاجزا عن النظر الناقد والرؤية النافذة، وسوف يظل يراوح في حلوله ومحاولاته المتكرّرة الفاشلة على مرّ القرون والأجيال والدول، بل لعل هذه المحاولات الخاطئة لن تزيد الأمة إلا استنزافا وتدهورا وإنهاكا؛ فهو يدور في حلقة مفرغة من الإصلاح وإصلاح الإصلاح، والنقد ونقد النقد.
ومن
هنا نخلص إلى أنّه ما لم ننق موروثنا الحديثي بمختلف مدارسه الشني والإباضي والشيعي فإنّه لا يمكن
إصلاح الواقع الديني والاجتماعي والسياسي في مجتمعاتنا، ولا يُفهم من ذلك أنّ المنظومة الحديثية كلّها لها دورٌ سلبي تجاه الحضارة الإسلامية، بل هناك إلى جانب ماذكرناه - مجموعة كبيرة من الأحاديث الموافقة لروح القرآن الكريم والمنسجمة مع مضامينه وكلياته، فهي تحت على العمل والطموح والتغيير والإبداع والوحدة والأخوّة الإسلامية، وتدعو إلى كل مقوّمات الحضارة الإسلامية؛ ولذا ينبغي تفعيل منهج العرض على القرآن الكريم للتمييز بين هذا القسم ومضادّه، والتمسك بما يوافق كتاب الله تعالى.
ثانيا: دور القرآن الكريم في استعادة الحضارة الإسلامية.
دعا القرآن الكريم المسلمين إلى الأخذ بأسباب القوة، والتمكّن من ناصية العلوم، وإعمال العقل لتسخير سنن الكون لخدمة الإنسان ورسالته في الحياة ويرى معتز الخطيب أن فكرة عرض الحديث على القرآن تأتي ضمن مشروع النهضة، وفي القلب منه القرآن وتجاوز ثقل الثقافة التاريخية التي تفصلنا عنه، والتي حجبت عنا بعض
1
2
طه العلواني، تمهيد كتاب كيف نتعامل مع السنة للقرضاوي، ط 6، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فرجينيا و م أ، 1993 م، ص 15. عبد الحميد أبو سليمان، حوارات منهجية في قضايا نقد متن الحديث الشريف"، مجلة إسلامية المعرفة، مرجع سابق، ص 135.
214