الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٣٦وبالدرجة الثانية بيان النبي الله إذ أوكل الله إليه هذه المهمة في قوله وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة النحل: 44].
ولذا يعد تفسير القرآن بالقرآن أولى التفاسير وأصحها، ثم ما ثبت عنه العليا بالدرجة الثانية، قال ابن تيمية (ت 728 هـ): "إنّ أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن؛ فما أجمل في مكان فإنه قد فُسّر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر، فالقرآن يبيّن بعضه بعضا بتصريف الله تعالى للآيات تبيينا وتوكيدا؛ ولتثبيتها في النفوس.
ونرى أن تحصين الحديث الصحيح من الإنكار لا يتطلب رفعه إلى درجة المماثلة للكتاب، فضلاً أن يُعطى دور الهيمنة عليه؛ فقد رأينا سالفا أن ردّ بعض فقهاء الصحابة لحديث بعضهم عند تعارضه مع الكتاب لم يؤد إلى إهمال السنة، بل بقى فهمُها مستمرًا في إطار الرؤية القرآنية، فكل من القرآن والسنة له مكانته ودوره المحدد في
الشرع.
ثانيا: غياب الضبط المحكم لمنهج العرض.
رفض بعض العلماء مقياس عرض الحديث على القرآن الكريم بسبب وجود تطبيقات غير منضبطة بمنهج علمي واضح، ووقوع بعض المعاصرين في أخطاء منهجية في عملية العرض والموازنة بين النصوص، وعدم استقرائها أحيانا، والتسرّع للردّ أحيانا أخرى.
وعملية العرض في أغلبها عقلية، شأنها شأن علم الحديث وعلم أصول الفقه؛ وقد تختلف الاجتهادات وتتعدّد؛ وقد يلتبس أحيانا أمرُ العقل الموضوعي السليم بالعقل الذوقي الفردي، فيتسرّع الباحث في نقد الحديث؛ لعدم مجيئه على ذوقه أو خلفيته الفكرية؛ ولهذا احتاج الأمر إلى صفاء ذهني، وحسّ سليم، وسعي للموضوعية، والابتعاد عن التسرّع والابتسار والانحياز، ويتطلب الأمر قبل ذلك مخافة الله تعالى وإقامة موازين القسط والعدل في البحث العلمي.
ولعلاج ذلك الخلل لا ينبغي غلق الباب كليا أمام طلبة العلم والباحثين في هذا المجال، بل ينبغي الاستدراك والتعاون والتصويب بأسلوب يُراعى فيه التكامل البناء، والحوار العلمي الرفيع الذي يعتمد على الحجّة والبرهان. وما من علم إلا بدأ بمجرد محاولات فردية مرتجلة، بعضها جانب الصواب، ثم تدرّج في سلّم الكمال، إلى أن اشتد عوده واستوى على سوقه، وهذا الأمر جعلنا نبحث عن الضوابط العلمية لمنهج العرض؛ من أجل ضبطه
وحسن توظيفه.
بن
2
3
حب
1 أحمد عبد الحليم ابن تيمية، مقدمة في أصول التفسير، تح: ينظر: مطلب التأصيل الحديثي، من الفصل السابق. الله حيدر، نقد المتن في التجربة الإمامية، مرجع سابق، ص 33.
ط 2، دن، دب، 1972 م، ص 93. عدنان زرزور
217