الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٣٧ثالثا: نظرية القرآن حمّال أوجه. اشتهرت مقولة ابن عباس: "القُرآن ذو "وجوه"، وفسّرها الزركشي بقوله: ذو وجوه يحتمل معنيين: أحدهما؛ أن من ألفاظه ما يحتمل وجوهاً من التأويل، والثاني؛ أنه قد جمع وجوها من الأوامر والنواهي والترغيب والترهيب والتحليل والتحريم، فوجوه القرآن - بالمعنى الأول - أي معانيه المتضمنة في بعض ألفاظه المشتركة، والمقصود بذلك سعة دلالة مفردات الكتاب وهو نوع من الثراء والإعجاز.
نصوص
211
لكن لا ينبغى أن يُساء هذا الفهم فتُحمّل الآيات ما لا تحتمل حتى ظنّ بعض المسلمين أن أغلب الكتاب ظنّية الدلالة تحتمل فهوما عديدة، وقد انتقد الفراهي (ت: 1349 هـ) هذا التصوّر الذي قاد المسلمين إلى هجر كتاب الله، مبينا أن الحق في جعل القرآن هو المعتصم والمتمسك المعتمد، والمبطلون إنما حرّفوه عن معانيه، فلو أُوضحت أصول التأويل لم يمكنهم التحريف، وأن اليأس من القرآن والتمسك بالأحاديث وَهَنْ وفتح لأبواب الأكاذيب، ولا يتمّ الحجّة عليهم؛ فالواجب الاعتصام بالقرآن أولا، ثم بالسنة والخبر الصحيح ثانيا؛ فمن الخطأ التخلّي عن القرآن إلى غيره، بحجة أنه مبهم وغامض المعنى.
ونظرية القرآن ذو وجوه أو احتمال أوجه لا تصلح على جميع القرآن آية آية وإلا كان القرآن كله متشابها وهو مقتضى قول الحداثيين، فما أخبرنا عنه الله تعالى هو أنّ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [سورة آل عمران: 7]، وأمن للتبعيض، أي بعض القرآن مُحكم وهو أصل الكتاب وأساسه، وبعضه متشابه؛ وليس كله متشابها كما يتوهم من عبارة "القرآن حمال أوجه".
ومعنى المحكم كما عرفه الجويني هو: كل ما علم معناه وأدرك فحواه، أما المتشابه فهو: "المبهم، والمبهم هو الذي لا يُعقَلُ معناه ولا يُدرَكُ مقصود اللأفظ ومبتغاه من قولهم: أبهمت البئر إذا سددته وردمته " فالمحكم واضح ومحدّد الدلالة، أما المتشابه فمبهم غامض لم يُدرك معناه، أو تعدّدت معانيه. وبقي السؤال: مالذي يغلب على القرآن؛ هل مُحكمه أو متشابهه؟
6
أجاب الشاطبي (790 هـ) عن ذلك قائلا: فقوله في المحكمات هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ يدلّ أنها المعظم والجمهور، وأمّ الشيء معظمه وعامته، كما قالوا أمّ الطريق بمعنى معظمه وأمّ الدماغ، بمعنى الجلدة الحاوية له،
1
2
3
شيرويه بن شهردار أبو شجاع الديلمي، الفردوس بمأثور الخطاب، تح: السعيد زغلول، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1986 م، 228/ 3.
الزركشي، البرهان في علوم القرآن، مرجع سابق، ص 163.
حميد الدين الفراهي، التكميل في أصول التأويل، مرجع سابق، ص 24 - 25.
4 بما يعرف بالنص المفتوح؛ ينظر على سبيل المثال: نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص مقدمة في دراسة علوم القرآن، دط، الهيئة المصرية العامة
للكتاب، مصر، 1990 م، ص 212.
5
6
عبد الملك الجويني البرهان في أصول الفقه، مرجع سابق، 235/ 1.
ن، 232/ 1. م
218