الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٣٨الجامعة لأجزائه ونواحيه … كذلك فقوله تعالى: وَأَخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ إنما يراد بها القليل"، إذن فالمحكمات هنّ
الأغلب في الكتاب والمتشابه هو الأقل، وهو ما نجده واقعا عند تتبعنا وتدبّرنا لآيات القرآن المجيد.
ومما
يدل على ذلك أنّ المتشابه لو كان كثيرا لكان الالتباس في القرآن غالبًا عليه، وعندئذ لا يُوصف القرآن بأنه بيان وهدى، كما في قوله تعالى: هَذَا بَيَانُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} [سورة آل عمران: 138] وقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة النحل: 64]، والقرآن إنما أُنزل ليرفع الاختلاف بين الناس، لكنَّ المبهم الملتبس إنما هو ضلال وحيرة لا بيان وهدى كما هو وصف القرآن، فدلّ على أنه ليس بكثير؛ فالقرآن الكريم إنما غايته رفع الاختلاف بين الناس وهدايتهم، وليس إضلالهم وتلبيس دينهم عليهم، فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
والمقصد الإلهي من إنزال المتشابه تحفيز العقل وتحريك الذهن للتفكر والاستبصار، وليس تركه حائرا دون بينة، قال أبو الخطاب الكَلْوَذَاني (ت 510 هـ): "يُحتمل أن يكون ذلك [أي إنزال متشابه القرآن] ليبعث عباده على الاجتهاد وإعمال الفكر لتصفو أفهامهم وتتقوّى بصائرهم، وتتخرّج عقولهم في معاني ما أراد، فيحصل لهم العلم اليقين والثواب العظيم، ولا يتكلوا على الظاهر فيتركوا الفحص والفكر والتدبّر فيتركوا طريق العلم التي هي النظر والاستدلال، فبيّن أنّ المتشابه له دور معتبر في إيقاظ العقول وإعمال الأذهان.
والمتشابه لا يبقى متشابها في الغالب، بل يُردُّ إلى المحكّم فيُعرَف، قال العزّي (زيدي معاصر): "فالمحكم هو أصل الكتاب والمتشابه هو فرعه، ويجب ردّ المتشابه إلى المحكم ولن نستطيع ردّه إلا باستعمال العقل في ضوء اللغة، والسياق، فالآيات المحكمات أصل تُرجع إليه الآيات المتشابهات، فيزول اشتباهها، أو على الأقل تفهم
في ضوئها.
ويرى الباحث أنّ بعض القرآن قد يبدو لناظره متشابهاً وهذا إذا أخذ الآيات مجزأة، فيتعين عليه حينئذ التمييز بين فهمه للآيات ودلالة الآيات نفسها؛ لكنه إذا سلك منهج التفسير الموضوعي، وجمع كل الآيات في موضوع بحثه وتأمل فيها، فسريعا ما تتضح الرؤية ويزول التشابه؛ وكذا الحديث، إذا أُخذ مفرّقا ربما أوهم وأشكل، لكنه إذا جمع من مصادره وعُرض على القرآن عُرف محكمه من متشابهه، وصحيحه من سقيمه. ومما يتصل بهذا الباب في أصول الفقه الاستقراء، ويعني النظر في مجموع أدلة الشريعة في المسألة الواحدة، بدل الاقتصار على بعضها دون البعض، ومن مزايا هذا المنهج إفادة القطع في الدلالة، الذي لا يستفاد
من
آحاد
الشاطبي، الموافقات، مرجع سابق، ص 508.
م ن، ص ن.
عبد
محفوظ بن أحمد أبو الخطاب الكَلْوَذَاني، التمهيد في أصول الفقه، تح: مفيد أبو عمشة، ط 1، دار المدني، جدة، 1985 م، 275/ 2. الله حمود العزي، 'قواعد أساسية لفهم الدين، مجلة طالب العلم، مرجع سابق، ص 5.
219
1
2
3
4