الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٢٤٠

فكل هذه الخطوات كما ترى عمليات اجتهادية تقوم على الملاحظة والتحليل والاستقراء والمقارنة

والاستنتاج، ويتخوّف بعض العلماء من الإشكالات الآتية:

الإشكال الأول: أن إعمال العقل في ذلك قد يفتح الباب لإقحامه في مجال الغيب والوحي، وهو ليس

محله، أو قد يكون تقديما للعقل على النقل. والجواب عن هذا الإشكال يتمثل في الآتي:

باستقراء الآيات القرآنية نجد أن مادة 'عقل وردت في 49 موضعا من القرآن الكريم، ومن ضمائمه: مادة "فكر وردت في 18 آية، ومادة 'فقه في 17 موضعا ومادة 'نظر' بمعنى تفكر في 50 موضعا، ومادة 'بصر' بمعنى التفكر أيضا في 30 موضعا من القرآن، إضافة إلى 4 آيات تحدثت عن التدبّر، فمجموع ذلك كلّه يربو عن 160 آية كلّها تأمر بالتفكّر وإعمال العقل في الآيات المسطورة والمنظورة وتنعى على من يعطله وتتوعده بالهلاك والخسران؛ فإذا كان الله تعالى هو الذي خلق العقل وكرّم به الإنسان وأمر بإعماله؛ فكيف يعد إعماله في فهم النصوص وتمييز صحيحها من سقيمها أمرا ممنوعا محذورا؟!.

دور العقل - في مجال الوحي والغيب - ليس إنشاء مفاهيم من عنده إنّما دوره التثبت من صحة ثبوت الوحي المنقول أوّلا، والتأمل لاستكشاف الحقائق المبينة فيه ثانيا، موظفا أحسن تفسير وهو تفسير القرآن بالقرآن، ثم ما وافقه من الأحاديث؛ فإدراك حدودِ العقل ودوره كفيل بضبط عمله، وليس المطلوب حجره وتعطيله. العقل لا يستغني عن الوحي؛ لأنه مطهره من جملة ما علق به من الدخيل وباعث على فاعليته، كما أنّ العقل أداة أساسية لا يستغني عنها أيُّ عالم أو باحث في إثبات الوحي أو فهمه وتدبّره أو تنزيله على الوقائع؛ فلا يتصوّر القيام بهذه العمليات في معزل عن العقل، فالعقل والوحي قرينان لا يفترقان؛ وكل علوم الشريعة من أصول وفروع وعلوم آلة إنما بنيت قواعدها على أسس عقلية ونقلية؛ فلِمَ الخوف إذن من إعمال العقل في مقياس عرض الحديث على القرآن الكريم؟ ولم الشك في قدراته؟!.

الإشكال الثاني: التخوّف من اختلاف العقول؛ فما دامت العقول مختلفة في فهومها فليست مرجعا آمنا يُرجع إليه، كما ذكر خالد أبا الخيل أن: "معيار عرض الحديث على القرآن هو – في حقيقته- معيار ظنّي، بمعنى أن تطبيقه سيخضع بشكل حتمي إلى فهم الناظر وعقله وهذا من شأنه أن يجعل هذا المعيار معيارا شخصيا، وغير موضوعي، وإذا كان الأمر كذلك؛ فكل المقاييس التي وضعها العلماء في نقد الحديث هي أيضا معايير ظنية خاضعة لفهومهم وإدراكهم؛ فهل لا يوثق بها أيضا؟!، وهل يصح أن يكون هذا حجة لردّ تلك المقاييس؟

1،

1

خالد

بن

عبد العزيز أبا الخيل، مسالك الفكر العقلي المعاصر، بحوث مؤتمر الانتصار للصحيحين، مرجع سابق، ص 325.

221