الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٢٤١

ولماذا لم يتخوّف السابقون من اختلاف عقولهم واجتهاداتهم فيغلقوا بابَ علوم الحديث من أساسه، بل وباب

التفسير والفقه والأصول وسائر علوم الشرع بحجّة مساهمة العقل في بنائها واختلاف العقول في مسائلها؟!.

وواضح أن هناك حدا أدنى مما يتفق عليه العقلاء، بل هم متفقون على أغلب الأمور، مختلفون في قليلها؛ والمشتركات في العلوم البشرية أكثر من أن تحصى، ولولا ذلك لاستحالت الحياة وانقطع التواصل وعشر التعامل بين الناس، ولغرقوا في الجدل والسفسطة، لكن ينبغي هنا أن نميز بين العقل والهوى؛ فاتباع الهوى مذموم بنص القرآن، أما العقل المستند إلى البرهان فمرضي ومحمود.

الإشكال الثالث: زعم بعض الدارسين أن مناهج السابقين كافية في تنقية الحديث وتمييزه، حيث قال رفعت بن فوزي: "لا ضير على المسلمين في ألاّ يستعملوا هذا المقياس [أي مقياس العرض] عندما يتأكدون من صحة نقل الحديث بمنهاج المحدثين ومصفاتهم التي صفّت الأحاديث الصحيحة، وأبعدت عنها كل موضوع أو ضعيف؛ لأنه قد تخفى على عقولنا الحكمة في بعض الأحاديث فنتوهّم أنها تتعارض مع بعض الأحاديث التي رواها الثقات"، فبحسبه لم تبق هناك حاجة ملحة إلى مقياس العرض في نقد الحديث الذي صححه المحدّثون وفق منهاجهم؛ ويُجاب عليه بأنّ هذا القول تقديس لعمل المحدثين ومنهجهم، في حين أنها اجتهادات بشرية يعتريها ما يعتري البشر من نقائص؛ فلا يجوز عصمها من الخطأ، ولا غلق باب الاجتهاد دونها. والعقل لا ينبغي أن يرفض كل ما جاء به السلف؛ وإنما يجب أن يقوم بعملية فرزه من جديد، فيحتفظ بالصواب ويبعد الخطأ، ويتابع السير والبناء ليعيش حياته ويحلّ مشكلاته، ويسخّر الأشياء ويزداد علما ومعرفة؛ كل مجتمع يجب عليه أن يقوم بفرز تراث المجتمع الذي سبقه على جميع الأصعدة، وهكذا تستمر الحياة وتُبنى الحضارة من تراكمات المعرفة؛ بينما يبقى كتاب الله تعالى شامخا ثابتا مستمرا، ولا يخضع لعملية الفرز لأنه ليس تراثا، وإنما هو تنزيل من حكيم حميد، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه … ، فيكون هو المحور والأساس لعملية فرز التراث، والحديث الآحاد لا يرقى إلى درجة الوحي إلا إذا أُعمِلت فيه جميع مقاييس النقد سندًا ومتنا، ومن بين مقاييس نقد المتن: مقياس عرض الحديث على القرآن الكريم.

3

ويرى سامر إسلامبولي أن الإنسان الذي يُعطي السيادة لموروثه، ويكتفي به موجها له ومرشدا دون تمحيص ولا نقد، يكون بهذا العمل قد أعطى السيادة للعقل ولكن ليس لعقله، وإنّما لعقل من سبقه؛ لأن هذا الموروث قد انتقي ومُخص بأدوات ومناهج بشرية هو نتاج للعقل لا محالة، فيكون بهذا العمل قد قدّم العقل -عقل

1

2

11 3

رفعت بن فوزي، توثيق السنة في القرن الثاني الهجري، مرجع سابق، ص 302.

سامر إسلامبولي، تحرير العقل من النقل، دار الأوائل (دمشق، سوريا، 1999 م)، ص 14 - 15.

مواليد دمشق 1963، باحث ومحاضر في الفكر الإسلامي المعاصر، عضو في اتحاد الكتاب العرب في سوريا منذ عام 2008 م، بلغت مؤلفاته حوالي عشرين مؤلفاً في مختلف المواضيع القرآنية". newsyrian.net ، 2018/11/07 م.

من

222