الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٤٢من سبقه - على الوحي المتمثل في النصّ، وأعطى لمن سبقه قيادة زمام أموره والتفكير بدلاً عنه لحل مشكلاته، وتحقيق مصالحه، فالذي يقدّس موروثه ويرفعه فوق دائرة النقد - وإن ظنّ أنه قدّم النقل على العقل؛ فهو في حقيقة الأمر قد قدّم عقل من سبقه على كتاب الله تعالى الذي هو الحق والفيصل.
ويجدر التنبيه إلى أنه توجد - بالتأكيد - محاولات وممارسات غالَت في إعمال العقل، واستعملته في غير محله، فخالفت الوحي وجانبت الصواب والمطلوب توجيهها ونقدها وفق المنهج العلمي، لا إقصاؤها وصد باب الاجتهاد دونها كليا.
كما أنه ليس قادحا أن تكون بعض الإشكالات المثارة في نقد الحديث قد أثارها المستشرقون أو غيرهم؛ فالحكمة ضالة المؤمن، وعلى الباحث المنصف أن يتعامل معها بالتحري والتمحيص بدل تجاهلها تماما أو ترديدها عن تقليد ودون تبيّن؛ فمالفائدة من إنكار إشكالات واقعية وموضوعية أثبتها التحقيق والنقد العلمى ولو كان بعضها مثارا من قبل المستشرقين؟!.
خامسا: الخشية من التوظيف المذهبي لمقياس العرض.
يخشى بعض العلماء أن يكون عرض الحديث على القرآن ذريعةً إلى ردّ السنن والأحاديث الصحيحة، ونصرة الأفكار والآراء المذهبية، ويعبّر ابن القيم (ت 751 هـ) عن هذا بقوله: "لو ساغ ردّ سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فهمه الرجل من ظاهر القرآن لردّت بذلك أكثر السنن، وبطلت بالكلية، فما من أحد يُحتج عليه بسنة صحيحة تخالف مذاهبه ونحلته إلا ويمكنه أن يتشبّت بعموم آية أو إطلاقها، ويقول: هذه السنة مخالفة لهذا العموم والإطلاق فلا تُقبل، فابن القيم استنكر أن يكون التسرّع في ردّ الأحاديث بظواهر الكتاب سبيلاً لردّ أكثر السنن وإبطالها، وتوظيف نصوص القرآن بأسلوب انتقائي لأجل نصرة المذهب والرأي. وهو صحيح؛ فقد نجد تطبيقات توظف مقياس العرض لتأييد أفكارها وميولاتها؛ وهذا راجع إلى إهمال الضوابط العلمية في تطبيق العرض، لا إلى مقياس العرض ذاته؛ فمن الضوابط التى تعصم من ذلك كما بينا -: أن تكون دراسة الآيات والأحاديث بالمنهجية الشمولية، الموضوعية لا بالطريقة التجزيئية الانتقائية.
والأخطاء التطبيقية في توظيف مقياس العرض ليست هى القاعدة، وليست حجةً لرفض هذا المقياس، وإلا لأمكن القول أيضا إن الكتاب والسنة ليسا معيارين لمعرفة الحق من الباطل؛ لأنهما ظنّيان نسبيان؛ يمكن لأي صاحب فكرة أن يلوي أعناق النصوص خدمة لفكرته، وأنّ الاستدلال بهما سيخضع بشكل حتمي لفهم الناظر وعقله القاصر، فلا يبقى لهما إذن أي دور في الاحتكام عند الخلاف!؛ لا؛ هذا غير صحيح، وصدور ذلك من بعض الناس لا يصلح أن يكون حجّةً لإسقاط المرجعية عن الكتاب والسنة.
1
2
سامر إسلامبولي، تحرير العقل من النقل، مرجع سابق، ص 7 - 8.
محمد بن أبي بكر ابن القيم، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، دط، مكتبة دار البيان، دب، دت، ص 65 - 66.
223