الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٢٤٣

وإذا كان كل واحد من المسلمين اليوم قد أوجده الله في بيئته من دون اختيار لمذهبه ولا للونه ولا لعرقه،

وأمة الإسلام في الأصل أمة واحدة كما نصت به النصوص القاطعة؛ فعلى الباحث المسلم الذي يتحرى الحق أن يقف على مسافة واحدة من التراث الحديثي المروي لدى كل مدرسة مهما قيل فيه من المدح والثناء، أو الذم والتجريح، فكلها جهود بشرية تصيب وتخطئ، وتقرب من الحق وتبعد، والواجب تمحيص كل مدرسة لموروثها أي

كان في ضوء نصوص الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لتخليصه من الشوائب البشرية المضافة إليه على مر التاريخ.

كافة

ولذا يبقى معيار العرض على القرآن المقياس الأساس والأنجع في تنقية الأحاديث؛ بشرط أن يتحلّى صاحبه بتقوى الله، والمنهجية العلمية، والحياد والنزاهة وسائر الضوابط الأخلاقية التي سيأتي بيانها عما قريب. المطلب الثاني: المعوّقات غير الموضوعية.

وهي معوّقات جانب أصحابها الصواب، وهي كما يأتي:

أولا: تقديس مناهج السابقين.

ظاهرة تقديس الصحاح موجودةٌ في أغلب المدارس الإسلامية؛ إذ ترى كل مدرسة إلى صحاحها بعين الإجلال والإكبار وترفع من شأنها، وتجعلها فوق غيرها من صحاح المدارس الأخرى، وما إن تتعرّض للنقد أو لمجرد الاستشكال في حديث حتى يتعرّض صاحب النقد للانتقاد اللاذع والتشكيك في نيته واتهامه بشتى أنواع التهم، وربما يصل الأمر إلى حد تفسيقه وتكفيره.

ولا تخلو هذه الظاهرة من وجه إيجابي وآخر سلبي؛ فالوجه الإيجابي هو مقصد الحرص على حديث المصطفى الله أن يتعرّض للردّ أو التكذيب أو التشكيك، أما الوجه السلبي فهو التحيّز والانتصار لروايات المذهب والطائفة، وتقديس تراث السلف وعدم فحصه، أو حتى التفكير في مراجعته.

لكن الخلل في الوجه الإيجابي هو عدم التمييز بين كلام النّبي المسموع عنه مباشرة وحديثه المروي المنقول عبر الأجيال، وغض الطرف عمّا يعتري ذلك النقل من عوارض بشرية، وما يمكن أن يرافقها من تأثيرات عقدية

وسياسية.

ومن أمثلة النصوص الواردة في تقديس الموروث الحديثي ما يأتي:

ابن حزم (ت 456 هـ): قال في سياق إثباته لقطعية خبر الواحد وإفادته العلم القطعي ما نصه: "فإن قالوا: فإنه يلزمكم أن تقولوا إن نقلة الأخبار الشرعية التي قالها رسول الله معصومون في نقلها، وإن كل واحد منهم معصوم في نقله من تعمد الكذب ووقوع الوهم منه قلنا لهم نعم هكذا نقول، وبهذا نقطع ونبت … ، وقد علمنا ضرورةً أن كل عدل روى خبراً عن أنّ كلّ من صدق في خبر ما فإنه معصوم في ذلك الخبر من الكذب والوهم بلا

224