الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٤٦أئمة الشيعة ومحدّثيهم في ذلك قائلا: "وقد صنفوا تلك الأصول الأربعمائة المنقولة كلّها من وأوجز منهج أجوبتهم الله، وأنهم ما كانوا يستحلون رواية ما لم يجزموا بصحته … ، وكانوا اللي يوقفون شيعتهم على أحوال أولئك الكذابين، ويأمرونهم بمجانبتهم، وعرض ما يرد من جهتهم على الكتاب العزيز والسنة النبوية، وترك ما خالفهما، فأكد أنهم لم يرووا في أصولهم إلا ما جزموا بصحته، وما تم عرضه على الكتاب والسنة؛ ولكنه في
3
الواقع عثرنا على كثير من الأحاديث المخالفة للقرآن الكريم في كتاب الكافي ذاته، وهو أصح كتب الحديث
لديهم.
رضا أستادي معاصر من الإمامية - ذكر أن الشيعة قاموا بتصفية كتبهم الحديثية مرتين، مرة قبل عصر الكليني، حيث بالغوا في النقد والتمحيص، وأخرى مع المحمدين الثلاثة الكليني (ت 329 هـ) والصدوق (ت 381 هـ) والطوسي (ت 460 هـ)، وهذا معناه أنه لم تعد هناك حاجة لمزيد من التصفية، فهو يغلق الباب أمام استكمال مسيرة النقد والتمحيص والاستدراك.
ويحلّل حبّ الله حيدر ظاهرة التقديس هذه بقوله: "الوعي الديني في الإطار المعرفي للتيارات السلفية والنصية
511
ينتابه عادة اعتقاد أن السلف والماضي دائما مقدّس، وأن قمة التطوّر الإنساني كانت في الماضي، وأن البشرية تسير نحو الانحدار والتهاوي، فالعلماء الماضون مقدّسون، وهم في قمة التسامي والنقد دائما ينصب على المعاصرين"، وهذا التصوّر خاطئ؛ لأنّ حالات القوة والضعف والصلاح والفساد والخير والشر تتفاوت بين الناس ولا تتعلّق بالزمان والمكان، وليس هناك قانون سنني يُرغيم الأمة على التدهور والانحدار، وإنما عزها وذها مرتبطان بحسب درجة استمساكها بالوحي الخالص وجدها واتخاذها للأسباب، وأخذها بناصية العلوم، وكم من علوم كانت في العهود الأولى غير معلومة، فاكتشفت وتبلورت ثم تطوّرت لاحقا.
وهذا التقديس مرفوض من أيّ مدرسة كانت؛ انطلاقا من نعي القرآن الكريم على الذين يتبعون آباءهم وأجدادهم عن تقليد، دون تمييز وتمحيص، ويقدّمون كلامهم على كلام الله تعالى، حيث يشخص القرآن الكريم الظاهرة بقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ
1
الأصول الأربعمائة هي: أربعمائة كتاب حديثي دونت في عهد الأئمة الإثني عشر، لكنها لم تبق مدوّنة على حالها، بل ضاع منها ما وحفظ منها ما لحفظ في الجوامع الحديثية الشيعية؛ ينظر: آغا بزرك الطهراني، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ط 3، دار الأضواء، بيروت، 1983 م،
135 - 125/ 2
2
البحراني، الحدائق الناضرة، مرجع سابق، 9/ 1.
3 كما سيتضح في الفصل التطبيقي.
4
رضا أستادي، سخني درباره (بالفارسية، وتعني: الأخبار الدخيلة)، مجلة آيينه بزوهش، ع 33، ص 16، نقلا عن: حب
الله
حيدر، نقد المتن في
التجربة الإمامية، مرجع سابق، 46.
5 حب الله حيدر، نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي، مرجع سابق، ص 243.
227