الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٢٤٧

يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [سورة لقمان: 21]، والآيتان وإن نزلتا في سياق اتِّباع الآباء المشركين، فخصوص السبب لا ينافي عموم اللفظ، فإنها لا تخص المشركين وإنما تعيب ظاهرة التقليد الأعمى مطلقا، حتى في نطاق المسلمين؛ لأنهم غير معصومين من الخطأ والأهواء.

وتقديس كل مدرسة لصحاحها يعد من تزكية الأنفس الذي نهى الله تعالى عنه في قوله تعالى: {فَلَا تُزَكُوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [سورة النجم: 32]، والنبي الله أيضا نهى عن التزكية فيما رُوي عن أبي بكرة: أن رجلا ذكر عند النبي فأثنى عليه رجل خيرا، فقال النبي: ويحك، قطعت عنق صاحبك -يقوله مرارا إن كان أحدكم مادحا لا محالة فليقل: أحسب كذا وكذا، إن كان وكذا، إن كان يرى أنه كذلك، وحسيبه الله، ولا يزكي على أحدا»، فأنّب المادح المزكي لصاحبه إلا أن يكون من باب الظنّ الحسن فيه، فلا يجزم به.

الله

ومن ثم ندعو إلى فسح المجال وعدم صدّه أمام الباحثين لاستكمال عملية المراجعة والتمحيص مع تثمين مجهودات السابقين والبناء عليها؛ فالمتأمل في علم الحديث يجد أن البحث في نقد المتون وعلم العلل لا زال بكرا، وهو أمر خفي وشاق حتى على علماء الحديث إلا النقاد منهم كما أشار إليه ابن الجوزي (ت 597 هـ): واعلم أنه قد يجيء في كتابنا هذا الموضوعات] من الأحاديث ما لا يشك في وضعه، غير أنه لا يتعيّن لنا الواضع من الرواة، وقد يتفق رجال الحديث كلهم ثقات والحديث موضوع أو مقلوب أو مدلس، وهذا أشكل الأمور، وأكده ابن كثير (ت): 774 هـ) في قوله: "المعلّل من الحديث وهو فن خفي على كثير من علماء الحديث، حتى قال بعض حفاظهم معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل، وإنما يهتدي إلى تحقيق هذا الفن الجهابذة

النقاد

211

311

وسقيمه، ومعوجّه ومستقيمه، ولذا نقول: إن عقول الأمة لا زالت حية الحديث

يميزون بين صحيح منهم، ومنتجة، وهي قادرة على مواصلة البحث والتمحيص، واستدراك اللاحق على السابق، وكم ترك الأوائل للأواخر!. وهذا لا يعني انتقاصا من جهود السابقين فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأعراف: 85]، فيجب تثمين جهدهم والإشادة بفضلهم وسبقهم في خدمة علوم الحديث دون تقديس؛ وليس فيما ذكرناه تهوين من شأن السنة المشرفة ومنزلتها، فالصحيح من الأحاديث الذي يوافق القرآن الكريم واجتمعت له سائر شروط الصدق —من حيث السند والمتن هو كنز للمعارف الإسلامية، كان ولا يزال منبعا لصورة المنهج النبوي في تطبيقاته الواقعية الحية، وهو الأنموذج المحتذى به في الإحياء والإصلاح والتجديد لحياة الأمة، فينبغي الإنصاف لما سبق من مجهودات السابقين؛ كما قال محمد الغزالي: "الإنصاف يقضي عليّ بأن أؤكد مكانة صحيح البخاري فهو بلا ريب

أدق

1

صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب ما يكره من التمادح، ح: 5721.

2 ابن الجوزي، الموضوعات، مرجع سابق، 106/ 1.

3 ابن كثير، الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، مرجع سابق، ص 196.

228