الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٢٥٥

فهو

التقديس، وبالتالي من الممكن قبول هذا الرأي أو ترجيح ذاك، أو التوفيق بينهما أو محاولة الإتيان بجديد، يدعو إلى التمكّن في العلم وثقة الباحثين بأنفسهم عند اجتهادهم وتفعيلهم للقواعد، معتبرا أن الخطأ ليس عيبا، وإنما يدخل في دائرة الاجتهاد بشرط سلامة نية الناقد.

ولذا ندعو في هذا البحث إلى ضرورة مواصلة السير على نهج العلماء النقاد في تمحيص متون الحديث الصحيح بمقياس العرض على القرآن؛ لتخليصه من عِلله الخفيّة، فلا أحد بإمكانه غلق باب الاجتهاد في هذا المجال، وعلى العلماء المتخصصين أن يتحلوا بروح المسؤولية والشجاعة في هذا الأمر، ولا يستكينوا للتخوّفات الواهية، فأي داع إلى الخشية من الاحتكام إلى كتاب الله والتمسك به والاعتصام بحبله؛ وينبغي عدم الالتفات إلى ثناء الناس أو ذمّهم، ما دام الأمر متعلقا بتقصي الحقيقة والسعي إليها، والاكتفاء برضى الله تعالى كأسمى غاية وأنبل مقصد وخير سبيل، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيّ وَلَا وَاقٍ﴾ [سورة الرعد: 37]، فالله تعالى يصف كتابه بالحكم فهو} الرعد:37]، ملاذ ربّاني منزّل للاحتكام إليه، ويتوعد متبع أهواء الناس بالحرمان من معية الله وحمايته ونصرته.

وبعد بيان المعوّقات الموضوعية وغير الموضوعية لفكرة العرض؛ نعرج إلى ذكر المواصفات والشروط المطلوبة

في القائم بالعرض؛ حيث إنّ توفّرها يعدّ من الحلول المناسبة لتلك المعوقات.

المطلب الثالث: الشروط العلمية للقائم بعملية العرض.

على

لكل علم أصوله وقواعده، ومن أراد خوض مجال علم ما عليه أن يُلم بأسسه؛ حتى يكون كلامه على بينة وبصيرة، فإما أن يكون من أهل الاختصاص، أو تكون لديه قاعدة علمية كحد أدنى- تسمح له بالكتابة فيه، ويكون مطلعا. ما كتبه أهل الفنّ، الذين يُرجع إليهم، كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [سورة فاطر: 14]، وقوله: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا [سورة الفرقان: 59]، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل: 43]، وخاصة إذا كان ناقدًا؛ فعليه أن يكون بصيرًا بما ينقد وبما به ينقد ومدركاً لمآل نقده. ومقياس عرض الحديث على القرآن الكريم لا يختص بدراسته أهل فنّ معيّن من علوم الشريعة، بل تشترك فيه عدة علوم، كعلوم القرآن والتفسير وعلوم الحديث ونخص بالذكر منهما: التفسير الموضوعى والحديث الموضوعي؛ للحاجة إليهما في خطوة الدراسة الموضوعية للآيات والأحاديث، فهما الأساس الذي يبني عليه الباحث دراسته، مستعينا في ذلك بعلوم الآلة من لغة وأصول فقه ومصطلح الحديث؛ دون أن يُغفل علم العقيدة، إذا تعلّق البحث بمسائل الإيمان، ونوضح ذلك فيما يأتي:

1

عبد الجبار سعيد، 'بناء الملكة النقدية عند الباحثين في السنة وعلومها، أعمال الندوة الدولية: "الحديث الشريف وتحديات العصر"، ط 1، كلية الدراسات الإسلامية والعربية دبي الإمارات، 2005 م، 910/ 2.

236