الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٢٥٦

أولا: التفسير الموضوعي.

يُقصد بالتفسير الموضوعي: "جمع الآيات المتفرّقة في سور القرآن الكريم، المتعلقة بالموضوع الواحد، لفظا أو حكما، وتفسيرها حسب المقاصد القرآنية"، فهو منهج لا يفستر فيه صاحبه الآيات القرآنية حسب ترتيب المصحف، بل يجمع الآيات القرآنية التي تتناول موضوعا معينا؛ ليستخرج منها الرؤية القرآنية العامة له. ويتطلب نقد متن الحديث بمقياس العرض على القرآن الكريم أوّلا: التدبّر والتفقه في مواضيع الكتاب العزيز، ودراسة حقائقه وقوانينه؛ لارتواء التصوّرات والمفاهيم والقواعد الكلية اللازمة لعملية الفحص والمراجعة؛ لأن الوصول إلى أي حكم - سيما ما تعلق بقضايا الإيمان - يلزم على صاحبه استقراء تامَّا لآياتِ القُرآن الكريم، مع تشبعه بالروح العامة لكتاب الله وعل؛ ليكون النظر بعد ذلك في جميع الروايات والأخبار الظنّية بمعيار قُرآني خالص؛ مؤسس على صريح التنزيل؛ أي وفق ما دلّت عليه استعمالات القرآن نفسه؛ فما وافقه أُخِذَ تعارض معه تعارضا حقيقيا، ولم ينسجم مع روحه وقوانينه فلا عبرة به؛ أما لم يوافقه ولم يخالفه يتوقف فيه حتى

يظهر وجه الصواب فيه.

به؛ وما

وهذا ما أشار إليه محمد الغزالي في قوله: "العالم الأصيل بالإسلام إنما تقوم ثروته العلمية أولا بمدى فقهه في الكتاب العزيز، وبصره بمعانيه ومغازيه، ولمحه لدلالاته القريبة والبعيدة، وأن الصورة المتقنة للإسلام إنما تعرف أبعادها وملامحها البارزة من القرآن أولا، ثم يجيء دور السنّة في الإيضاح والتفصيل بعد أن تمهدت الحدود وعُرفت الضوابط؛ ولذلك نحن نرفض أن يشتغل بالسنة رجل فقير في القرآن ونرفض أن يستخرج أحكامها رجل قصير الباع في فقه الكتاب واستظهار أحكامه، فإنّ ذلك قلب للأوضاع ومزلفة للخطأ في تصور حقائق الدين، وفي ترتيب صغراها وكبراها، فالتفقه في حقائق كتاب الله هو الذي ينير طريق الناقد لمتون المرويات لإدراك عللها الخفية، وبدون ذلك فأتى يحصل له هذا الميزان وهذا الفرقان!.

ويؤكد على هذا المعنى مميزا بين منهجي المحدثين والفقهاء حيث قال: "كل ما نحرص نحن عليه شد الانتباه إلى ألفاظ القرآن، ومعانيه فجملة غفيرة من أهل الحديث محجوبون عنها، مستغرقون في شئون أخرى تعجزهم عن تشرب الوحي، والفقهاء المحققون إذا أرادوا بحث قضية ما، جمعوا كل ما جاء في شأنها من الكتاب والسنة، وحاكموا المظنون إلى المقطوع، وأحسنوا التنسيق بين شتى الأدلة"، فبين منهج العلماء في حسن ترتيب الأدلة ومحاكمة بعضها إلى بعض، وأكد على ضرورة تشربهم لمفاهيم القرآن، وذلك لأن "الحكم بسلامة المتن يتطلب علمًا بالقرآن الكريم، وإحاطة بدلالاته القريبة والبعيدة، وعلمًا آخر بشتى الروايات المنقولة لإمكان الموازنة والترجيح

عباس عوض الله عباس، محاضرات في التفسير الموضوعي، ط 1، دار الفكر، دمشق، 2007 م، ص 20.

محمد الغزالي، نظرات في القرآن، ط 1، نهضة مصر، مصر، دت، ص 177.

محمد الغزالي، السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، مرجع سابق، ص 31 - 32.

237

1

2

3