الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٦٢ثانيا: التجرّد من المؤثرات المذهبية.
من الخصال السلبية المخالفة للمنهجية العلمية في عمل الباحث الناقد أن تتحكم فيه تنشئته الفكرية وميولاته المذهبية، فيحكم هواه دون أن يحكّم القرآن؛ فمن وجوه مخالفة طريق الحق لدى بعض النقاد ردُّ الأحاديث التي جرت غير موافقة لأغراضهم ومذاهبهم، وهؤلاء جوهر مقياسهم هو العرض على المذهب وليس العرض على كتاب الله.
وقد تحدّث محمود شلتوت (ت 1383 هـ) عن ظاهرة لي أعناق نصوص القرآن لتأييد آراء المذاهب فقال: "لما ظهرت بدعة الفرق والتطاحن المذهبي، والتشاحن الطائفي، أخذ أرباب المذاهب يوجهون العقول في فهمه وجهات تتفق وما يريدون؛ فاختلفت مسالك الناس في فهمه وتفسيره، وظهرت في أثناء ذلك ظاهرة خطيرة هي تفسير القرآن بالروايات الغريبة والإسرائيليات الموضوعة التي تلقفها الرواة من أهل الكتاب، وجعلوها بياناً لمجمل القرآن وتفصيلا لآياته، ومنهم من عُني بتنزيل القرآن على مذهبه أو عقيدته الخاصة .... فأصبحنا نرى من يؤوّل الآيات لتوافق مذهب فلان، ومن يخرجها عن بيانها الواضح وغرضها المسوقة له لكيلا تصلح لمذهب فلان، وبهذا أصبح القرآن تابعا بعد أن كان متبوعا، ومحكوما بعد أن كان حاكما، فالأولى أن تخضع الآراء ساجدةً لقول الحق جل جلاله وتنحني راكعةً لأمره بتلمّسها الحق والهداية فيه، لا أن تنصب نفسها حاكمة على معاني الكتاب توجّهها كيفما تشاء، فهذا من التعالي، ورفع للرأي البشري على كلام الله.
به
واتباع المتشابه من القرآن نصرةً للآراء يعدّ زيغا عن الصراط، فالله تعالى كما يهدي بكتابه كثيرا؛ فإنه يضلّ كثيرا من الناس، يتوجهون إليه لا بغرض الاهتداء؛ وإنما لتبرير معارفهم وأهوائهم بدل ضبطها وتحكيمها إليه، كما قال تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} [سورة البقرة: 26]، وقال: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [سورة آل عمران: 7].
ولا بد من علاج فعّال لهذا المرض العضال المتأصل في النفوس، خاصة مع صعوبة تحرّر المرء من أثر الحاضنة الفكرية التي ينتمي إليها، فينبغي البحث عن حلول حتى تتحقق حاكمية القرآن في عملية العرض، لا حاكمية الآراء؛ ومن أهم تلك الحلول - بعد سلامة النية: استخلاص الرؤية القرآنية من الدراسة الموضوعية الشمولية للآيات بدل أخذها من نصوص جزئية منتقاة.
ويوضح 'عالم سبيط النيلي من الإمامية- جُرمَ توظيف القرآن للأغراض المذهبية، بأنه إذا كان في ذهن الباحث عقيدة ما يؤمن بها مسبقا وأراد البرهنة على صحتها من القرآن جاعلا منه سندا مؤيدا لتلك العقيدة، ولم يجعله حاكما على صحتها أو سقمها فقد افترى إثما مبينا؛ ولكنه لو جعل القرآن إماما يتبعه وحاكما يمخص
1
2
إبراهيم بن موسى الشاطبي، الاعتصام، مرجع سابق، 294/ 1.
محمود شلتوت، تفسير القرآن الكريم - الأجزاء العشرة الأولى، ط 6، دار الشروق، بيروت، 1974، ص 9.
243