الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٦٣به الآراء، ويتدبّره كما أمر الله تعالى؛ فحينها له أجر الاجتهاد وإن أخطأ؛ لأنه بمراجعة عمله وفق النظام المحكم للقرآن لا بد له من اكتشاف خطئه والتراجع عنه، فعلى الباحث الناقد أن يكون متيقظا ومنتبها لإملاءات النفس، متجنبا إياها، وكاشفا عن حوارها. ويقتضي الإنصاف والعدل في نقد الموروث تجنّب النظرة المزدوجة، وهي عين الرضا عن الذات وعين السخط عن الآخر -، وقبول الحق متى تبين مهما كان مصدره؛ فذاك رهن نجاح عملية النقد والمراجعة، قال امحمد بن يوسف اطفيش (ت 1914 م): "والحق" يُقبَل من كلّ من جاء به ولو مشركا، وجاء أنّ الحكمة والحق ضالة المؤمن يقبلها ولو من عدوّه … ، ومن العجيب أن تكون المسألة حقا فتُترك لأنها جاءت من مخالف، هذا غلوّ، واذكروا قوله تعالى في غير أهل القبلة: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَتَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [سورة المائدة: 8] 2، وإذا كان سياق الآية في شأن أعداء الإسلام؛ فكيف بمن هم داخل دائرة الإسلام وتحت
رايته؟!.
وذكر القرضاوي الضوابط المطلوبة في فهم الكتاب والسنة وهي: التجرّد لطلب الحق، والإخلاص والتحرّر
3
من الهوى والاستقلال والتحرّر من العصبية، والتواضع، فتلك الصفات ضرورية لدى الباحث بقدر الطاقة البشرية؛ إذ التجرّد والحياد المطلق غير موجود في نطاق البشر؛ لكن المطلوب استفراغ الوسع في ذلك ما أمكن، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها، مع اعتقاد أن النسبية والقصور يعتري أي عمل بشري، وما هذه الضوابط العلمية والقواعد إلا ليقترب الباحث أكثر نحو الموضوعية والمنهجية، والحقيقة والإنصاف.
ثالثا: التأدب بآداب الخلاف.
تأدب القائم بعملية العرض بآداب الخلاف أمر مطلوب؛ وذلك بأن يُحسن الظن بمن سبقه من العلماء، وأن يتلمس لهم أجر اجتهادهم وعملهم، وعدم التعالم عليهم واحتكار الحق لنفسه، بل يكون متواضعا منصفا، قابلا للحق حيثما لاح له؛ لأن التكبّر والاستنكاف عن الحق سبب للحرمان من الهداية الإلهية، كما قال تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا} [سورة الأعراف: 146]، فينبغي الحذر كل الحذر من ذلك.
ومن
الأدب في نقد جهود السابقين: تحسين العبارة والتأدّب في الألفاظ، كما ورد في قول أم المؤمنين عائشة ه عند نقدها لحديث عمر بن الخطاب وابنه عبد الله الله " يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما أنه لم يكذب،
2
1 عالم سبيط النيلي، النظام القرآني، مرجع سابق، ص 17 - 18.
3
امحمد بن يوسف اطفيش، كشف الكرب دط وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان، 1985 م، 91/ 9 - 95. يوسف القرضاوي، المرجعية العليا في الإسلام، ط 2، مكتبة، وهبة القاهرة 2001 م، ص 157 - 174.
244