الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٢٦٩

والأحكام والحجج، وقال تعالى أيضا: إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [سورة القيامة: 17 - 19]، فالله تعهد في هذه الآية ببيان كتابه الكريم.

ولهذا اعتبر العلماء أن أحسن تفسير للقرآن الكريم هو تفسير القرآن بالقرآن بل جعله بعضُهم منهجا ضروريا لا يستغني عنه المفسّر، فعلى من يفسر القرآن الكريم أن يرجع إلى القرآن أوّلا، يبحث فيه عن تفسير ما يريد، فيقابل الآيات بعضها ببعض، ويستعينُ بما جاء مُسهَبا ليعرف به ما جاء موجزا وبالمبيّن ليفهم به المجمل، ويحمل المطلق على المقيّد، والعام على الخاص، ولا يجوز لأحد كائنا- من كان أن يتخطى هذا التفسير القرآني"، لأنّه بيان الله تعالى لكتابه. وقال إبراهيم بيوض (ت 1981 م فمن" تأويلات القرآن وتفسيراته ما كان يُؤخذ بتقابل الآيات في موضوع واحد، فتظهر المعاني وتظهر الحكم والأسرار .... وما فسر القرآن مثل القرآن"، فلا أحد أعلم بمراد الله من

ول.

211

ومن

الله

أمثلة بيان القرآن بالقرآنِ: قوله تعالى في فاتحة الكتاب مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ [سورة الفاتحة: 4]، وبيان يوم الدين في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [سورة الانفطار: 18 - 19] أي يوم الجزاء؛ وقوله في فاتحة الكتاب أيضا: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة الفاتحة: 7] فبيان هؤلاء في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [سورة

النساء: 69].

وحين النظر في موضوع التوبة -مثلاً- في القرآن الكريم نجد أنها قد قيّدت بكونها نصوحا، حيث قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} [سورة التحريم: 8]، والنصوح لفظ محمل، بيّن في آيات أخرى مثل قوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [سورة طه: 82]، وهذه الآية عامة في قبول التوبة في أي زمان تخصصها آية أخرى بما قبل حضور الموت حيث قال تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ [سورة النساء:18]، وبنحو هذا تُربط الآيات بعضُها ببعض؛ لتكتمل الرؤية تجاه الموضوع المدروس.

فالداعي إلى الدراسة الموضوعية هو وجوب الإيمان بجميع الكتاب وأخذ الرؤية التامة للموضوع، كما أمر سبحانه: وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ} [سورة آل عمران: 119]، ونهى عن الاجتزاء والانتقاء في التعامل مع آي القرآن،

2

1

محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل القرآن تح عبد الله التركي، ط 1، دار هجر، القاهرة، 2001 م، 190/ 20 - 191. عبد السلام عبد الشافي محمد، مقدمة تحقيق المحرر الوجيز لابن عطية، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 2001 م، 6/ 1؛ وسيأتي بيان المصطلحات المذكورة قريبا في المبحث الآتي.

إبراهيم بيوض، في رحاب القرآن، مرجع سابق، سورة لقمان، 182/ 11.

ينظر: سامر رشواني، منهج التفسير الموضوعي للقرآن الكريم - دراسة نقدية، ط 1، دار الملتقى، حلب، 2009 م، ص 206 - 208.

250

3

4