الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٧١واحدة، وإنما يُقطع بما دلّ عليه مجموع الآيات؛ لما يُلحظ بين الآيات من عموم وخصوص، وقاعدة واستثناء، ومحمل ومفصل، ومطلق ومقيّد. إذا فالمنهج الموضوعي في دراسة الآيات القرآنية يرتكز على قاعدة منهجية أساسية ألا وهي الاستقراء، بمعنى: تتبع الآيات القرآنية التي تعالج الموضوع المراد بحثه في جميع آي القرآن الكريم، وهذا التتبع يكون على أساس اللفظ، وعلى أساس المعنى أيضا؛ أي استقراء اللفظ وضمائمه، ولا يقتصر على أحدهما فحسب؛ فالموضوع الواحد يرد بألفاظ متعدّدة، كالجنة في القرآن مثلا تشمل: الفردوس الحسنى، مقام، أمين، مقعد صدق، الأمة، الصالحات القانتات … ؛ كما أنّ اللفظ الواحد قد تشترك فيه عدة معان كلفظ الجنة، يرد بمعنى جنة الخلد المعدة للمتقين، وقد يرد بمعنى جنة الدنيا؛ أي الحديقة الغنّاء؛ فينبغي التمييز وتحديد المعنى المقصود.
ومن هنا ميز الشاطبي بين الراسخين في العلم ومتبعي المتشابهات، فقال: "فشأنُ الراسخين تصوّر الشريعة صورةً واحدة، يخدم بعضُها بعضا كأعضاء الإنسان إذا صُوّرت صورة مثمرة؛ وشأنُ متبعي المتشابهات أخذُ دليل ما أي دليل كان- عفوًا وأخذا، أوليا، وإن كان ثم ما يعارضه من كلّي أو جزئي؛ فكون العضو الواحد لا يعطي
في مفهوم أحكام الشريعة حكماً حقيقيا، فمتبعه متبع متشابه، ولا يتبعه إلا من في قلبه زيغ كما شهد الله به فالأخذ بمدلول بعض الآيات دون سواها قد يوقع في الزيغ واتباع المتشابهات.
6
1،
وإذا تعذر جمع كل الآيات المتعلقة بالموضوع المدروس بسبب كونه واسعًا كبير الحجم ولا يستوعب ببحث واحد، أو كونه متشعبا وشديد الارتباط بغيره من المباحث؛ فينبغي حينئذٍ وضعُ معيار موضوعي لحصر دائرة البحث في مجال محدّد، حتى لا يكون الانتقاء عفويا أو مستجيبا لنزعة الباحث وهواه.
وتجدر الإشارة في الجمع الموضوعي إلى ضرورة مراعاة السياق في فهم معنى الآيات؛ فلا بد عند الاستشهاد بآيات الكتاب من مراعاة سياقها؛ فقد ذكر الزركشي (ت 794 هـ) من الأمور التي تُعين على فهم المعنى عند الإشكال: "دلالة السياق؛ فإنها ترشد إلى تبيين المجمل والقطع بعدم احتمال غير المراد وتخصيص العام وتقييد المطلق وتنوّع الدلالة، وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلّم، فمن أهمله غلط في نظره، وغالط في مناظراته، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [سورة الدخان: 49]؛ كيف تجد سياقه على أنه الذليل الحقير؟! "، فالسياق له دور في تحديد مدلول اللفظ ومعناه المقصود وبخاصة عند الإشكال.
1
2
يوسف القرضاوي، المرجعية العليا في الإسلام، مرجع سابق، ص 182.
السياق من تساوق الكلام أي: تتابعه، ويعني: "فهم النص بمراعاة ما قبله وما بعده"؛ عبد الحكيم بن عبد الله القاسم، دلالة السياق القرآني وأثرها
في التفسير - دراسة نظرية تطبيقية من خلال تفسير ابن جرير، دار التدمرية السعودية، دت، 93/ 1.
3
الزركشي، البرهان في علوم القرآن مرجع سابق، 200/ 2 - 201.
252