الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٧٤ونجد محمد حسين فضل الله (ت 2010 م) من الإمامية ينتهج مثل هذا المسلك حيث قال: "أحاولُ استنطاق القرآن بعقل مفتوح مع مراعاة علوم أصول التفسير واللغة وسواهما .... ثمّ أنعطف على الأحاديث التي لها صلة بموضوع البحث، مدققا في سندِها وفي متنها؛ وذلك وفق أصول التحقيق والإثبات، مع التأكد على كون القرآن هو الميزان الأول والأخير؛ فما انسجم معه قبلناه، وما خالفه رفضناه، أعتقد أنّ هذا المنهج الجديد هو الأفضل في بحث أي موضوع؛ لأنّه يؤكد على القرآن بوصفه القاعدة الإسلامية الأولى والأصل"، وهو ما دعا إليه عباس الموسى (معاصر) من المدرسة ذاتها - في مجال العقيدة، حيث قال: وحيث أنّ أساسات العقيدة في القرآن؛ فالأولى أن نبحث عن مفاهيم القرآن العقائدية في القرآن أوّلاً؛ من خلال استنطاق آياته الكريمة، بواسطة استقراء الموضوع قرآنيا، ثم عرض الرواية أو الروايات على هذا المفهوم، فما وافقه أُخذ به، وما خالفه ضرب به الحائط"؛ فأكدا على منهجية استقراء الموضوع محل الدراسة- قرآنيا ثم حديثيا، ثم محاكمة الأحاديث إلى
عرض
موازين القرآن.
وأكد القرضاوي (معاصر) على أهمية جمع النصوص بعضها مع بعض؛ فجعل من المبادئ الأساسية للتعامل مع الحديث "أن يتأكد من سلامة النّص من مُعارض أقوى منه من القرآن أو من أحاديث أخرى أوفر عددًا أو أصح ثبوتا أو أوفق بالأصول وأليق بحكمة التشريع أو المقاصد العامة للشريعة .... لأنها لا تُؤخذ من نص واحد أو نصين، بل أُخِذت من مجموعة من النصوص والأحكام، أفادت بانضمام بعضها إلى بعض يقيناً وجزماً بثبوتها"،
فالتأكد من سلامة النصّ من المعارض يتطلب جمع النصوص، ومقارنة بعضها ببعض؛ للوقوف على نقاط الاتفاق والافتراق، وهو ما سنراه في الخطوة الآتية.
المطلب الثالث: الموازنة وفصل الحالات.
411
أورد الشافعي (ت 204 هـ) أوجة ورود السنة على القرآن فقال: "وسنن رسول الله مع كتاب الله وجهان؛ أحدهما: … ما أنزل الله فيه نص كتاب، فبيّن رسول الله مثل ما نص الكتاب والآخر: ما أنزل الله فيه جملة كتاب، فبيّن عن الله معنى ما أراد، وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما، والوجه الثالث: ما سنّ رسول الله مما ليس فيه نص كتاب"، فالقسم الأوّل: السنّة المؤكدة للقرآن، والثاني: السنة المبينة له، وهذان القسمان متفق عليهما، أما القسم الثالث: السنة التي لم يرد فيها نص كتاب أي المستقلة فهي محل خلاف، كما سنرى لاحقا. وذكر ابن القيم (751 هـ) هذه الأقسام الثلاثة فقال: "السنة" مع القرآن على ثلاثة أوجه أحدها؛ أن تكون موافقةً له من كل وجه؛ فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتضافرها، الثاني: أن
1
2
3
4
محمد حسين فضل الله، دنيا المرأة، مرجع سابق، ص 23.
عباس الموسى، المنهج القرآني الموضوعي لدراسة المسائل العقائدية http://www.shiaali.net ، 2018/06/28 م. القرضاوي، كيف نتعامل مع السنة النبوية - معالم وضوابط، مرجع سابق، ص 34.
الشافعي، الرسالة، مرجع سابق، ص 80.
255