الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٢٧٧

النص الآخر (الحديث المبيّن للكتاب)، والثالثة: نسبة العموم والخصوص من وجه؛ بأن يشترك القرآن والحديث في بيان مسألة ثم ينفرد أحدهما بجزءٍ منها دون الآخر زيادة) الحديث على الكتاب والرابعة نسبة التباين التام (الحديث المعارض للكتاب)؛ أي المعارضة المطلقة التي يتعذر فيها الجمع العرفي بين النصوص، ولكل حالة حكمها الخاص بها، فذكر أربع حالات وهي: التأكيد، وحالة البيان بتخصيص العموم، وحالة الزيادة، وحالة

التعارض التام.

وذكر العزي أيضا أربعة أقسامٍ للحديث ناتجة عن عرضه على القرآن؛ الأول ما أمكن عرضه على الكتاب تفصيلا، وهذا لا إشكال في صحته والثاني ما أمكن عرضه عليه جملة وهذا الصحيح صحته مثل بيانات المجملات الواجبة ونحو ذلك، والثالث: ما عارض الكتاب من كل وجه مع كونه أحاديا، وهذا لا إشكال في ردّه والحكم بوضعه، والرابع ما لا يمكن عرضه ولا يوجد في الكتاب العزيز ما يُبطله ولا ما يصحه، فالقسم الأول يمثل السنة المؤكدة وهي مقبولة قطعا، والثاني: السنة المبينة، وهي مقبولة أيضا، والثالث: الأحاديث المعارضة وهي مردودة، أما الرابع: فهي السنة الزائدة عن الكتاب، حيث لا يوجد فيه ما يثبتها ولا ما يبطلها.

ومن هنا فاستخلاص الحكم من الأدلة الشرعية لا يتم إلا بالدراسة الموضوعية للآيات والأحاديث بعد جمعها، ومقارنة بعضها إلى بعض؛ قال ابنُ العربي (ت 543 هـ): "إنما استقرينا أدلّة الشريعة، ودخلنا إليها من أبوابها إذ ليس لها باب واحد، ورددنا بناتها إلى أمهاتها لتعلم أنسابها حسب ما أمرنا به قوله تعالى: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [إلى قوله] وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [سورة آل عمران:7]، فأنت إن اتبعت حديثا واحدا دون أن تضربه بسائر الآيات والأحاديث، وتستخلص الحق من بينها فأنت ممن في قلبه زيغ، وعليه رين"، فعد اتباع الحديث الواحد دون محاكمته إلى غيره من الآيات والأحاديث اتباعًا للمتشابه وزيغا عن الحق. وبين محمد الغزالي منهج العلماء في ذلك فقال: "والفقهاء المحققون إذا أرادوا بحث قضية ما؛ جمعوا كل ما جاء في شأنها من الكتاب والسنة، وحاكموا المظنون إلى المقطوع، وأحسنوا التنسيق بين شتى الأدلة؛ أما اختطاف الحكم من حديث عابر والإعراض عما ورد في الموضوع من آثار أخرى فليس عمل العلماء؛ إذ البحث العلمي الرصين يتطلب الاستقراء، ويرفض التعامل السطحي والانتقائي مع الأدلة.

411

وخلاصة القول: إنّه ينتج عن الخطوات الثلاث المذكورة لعملية عرض الحديث على القرآن الكريم ثلاثة أصناف محتملة من الحديث وهي: إما أن يكون موافقا للقرآن ويشمل المؤكّد والمبيّن)، أو مخالفا له (الحديث

1

2

3

الله. حيدر، نظرية السنة في الفكر الإمامي، مرجع سابق، ص 490 وله أيضا: نقد المتن في التجربة الإمامية، مرجع سابق، ص 23.

عبد الله العزي، علوم الحديث عند الزيدية، مرجع سابق، ص 52 - 55.

د أبو بكر بن العربي، القبس في شرح موطأ مالك بن أنس، مرجع سابق، 518/ 2 - 519. محمد الغزالي، السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، مرجع سابق، ص 32.

4

258