الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٢٩١

وذكر أبو زهرة (ت 1974 م أنّ مالك بن أنس قارب فقهاء العراق في عرضهم أخبار الآحاد على الكتاب، وهو بالنسبة لعام القرآن قارب العراقيين، وإن لم يسلك كل مسلكهم؛ وذلك أن مالكا يختلف عن فقهاء العراق في نظره إلى عام، القرآن فيحكم بأن دلالته من قبيل الظاهر؛ أي ظنّية، ويتفق معه في ذلك الشافعي وأحمد، ولكنه لا يلبث حتى يفترق عنهما؛ لأنه لا يجعل حديث الآحاد مخصصا أو معارضا لعام القرآن في كل الأحوال، بل وجدناه أحيانا يجعل له ذلك وأحيانا يردّه لعموم القرآن، فهو يقدّم ظاهر القرآن على السنة وهو في ذلك كأبي حنيفة إلا عاضد السنة أمر آخر من قياس أو عمل أهل المدينة فإنها في هذه الحال تعتبر مخصصة لعموم القرآن أو مقيدة لإطلاقه 2، فبيّن أن مالكًا لا يرفض التخصيص دومًا كأبي حنيفة، ولا يقبله دوما كالشافعي وأحمد؛ وإنما فصل في الأمر حسب تعزُّز الحديث النبوي بالدليل المؤيد.

وميز عيسى ابن أبان الحنفي (ت 221 هـ) - أيضا - بين ما يُقبل تخصيصه لعموم القرآن وما لا يُقبل فقال:

"لا يقبل خبر خاص في ردّ شيء من القرآن ظاهر المعنى أن يصير خاصا أو منسوخا، حتى يجيء ذلك مجيئا ظاهراً

4

يعرفه الناس ويعلمون به، مثل ما جاء عن النبي أن لا وصية لوارث»، و «لا تنكح المرأة على عمتها»؛ فإذا جاء هذا المجيء فهو مقبول؛ لأنّ مثله لا يكون وهما، وأما إذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث خاص، وكان ظاهر معناه بيان السنن والأحكام، أو كان يُنقض سنة مجمعا عليها، أو يخالف شيئاً من ظاهر القرآن فكان للحديث وجه ومعنى يحمل عليه لا يخالف ذلك؛ حُمِل على أحسن وجوهه وأشبهه بالسنن وأوفقه لظاهر القرآن، فإن لم يكن معنى يحمل ذلك فهو شاذ"، فمثل لما يُقبل تخصيصه للقرآن بهذين الحديثين؛ لأنهما بحسبه- مشهوران ومحفوظان عند الناس.

وهناك من جنح إلى التوقف في المسألة، وحجتهم: "أن العموم وحده دليل مقطوع الأصل، مظنون الشمول؛ والخبر وحده مظنون الأصل مقطوع به في اللفظ والمعنى، وهما متقابلان، ولا دليل على الترجيح فيتعارضان، والرجوع إلى دليل آخر؛ أي لما تعارض الدليلان مع تساويهما في القوة وعدم وجود موفق ولا مرجّح بينهما؛ فيُلجأ إلى التوقف والبحث عن دليل آخر.

61

1

2

3

4

5

محمد أبو زهرة، ابن حنبل حياته وعصره، مرجع سابق، ص 251. محمد أبو زهرة، ابن حنبل حياته وعصره، مرجع سابق، ص 252. سنن الترمذي، كتاب الوصايا، ما جاء الا وصية لوارث، وقال: حسن. البخاري، كتاب النكاح، باب لا تنكح المرأة على عمّتها، ح 5110. عيسي بن أبان، الحجج الصغير؛ نقله عنه: الجصاص، الفصول في الأصول، مرجع سابق، 156/ 1.

صحيح

6 أبو حامد الغزالي، المستصفى، مرجع سابق، ص

249

272