الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٢٩٣

المطلب الثالث: مفاد الحديث الموافق في الإيمانيات وأحكامه.

نتطرق لمناقشة مفاد الحديث الموافق في مجال الإيمانيات بحسب قسميه الحديث المؤكد والحديث المبين.

أولا: بالنسبة للحديث المؤكد

مفاد الحديث المؤكد في الإيمانيات: القطع بصحة مضمونه؛ لأنه يطابق ما جاء في القرآن مطابقة تامة؛

والقرآن مفيد للقطع. ومثال ذلك: حديث عمران بن حصين عن النبي: «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء»، فهو مقبول في الإيمان؛ لأنه يؤكد ما جاء في القرآن كقوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ [سورة الحديد: 3]، ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [سورة هود: 7]، {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِين [سورة يس: 12]، ونحوها.

وينبغي أن نميز بين المطابقة الكلية؛ بأن يكون الحديث مؤكّدا للنص القرآني وليس فيه أية إضافة، فإنه يفيد القطع؛ وبين المطابقة الجزئية بأن يكون نص الحديث بعضُه مؤكّد للقرآن وبعضه الآخر يحمل زيادةً عليه، فحينئذ لا يكون القطع إلا في الجزء المطابق فحسب.

ثانيا بالنسبة للحديث المبين

ناقشنا في الفصل الأول مسألة مصادر الإيمان، ورجّحنا القول بأن أحاديث الآحاد الصحيحة لا تفيد القطع، وإنما تفيد الظن؛ فلا يُعتمد عليها في مسائل الإيمان إلا استئناسا وتأييدا لما هو قطعي الثبوت والدلالة؛ وعليه فلا يُقطع بها في بيان مجمل القرآن ولا في تخصيص عامه ولا تقييد مطلقه؛ إلا إذا كانت مؤيَّدة بقرائن وأدلة قاطعة ترفعها من الظن إلى اليقين.

وإذا كان العلماء من مختلف المدارس قد اختلفوا في تخصيص عام القرآن وتقييد مطلقه بالآحاد في مجال الفقهيات كما سبق بيانه؛ فالتحرّز من ذلك في مجال الإيمانيات أشدّ؛ إذ لا يقوى الظنّي على إلغاء حكم القطعي، وإن لبعض أفراده؛ فذاك يحتاج إلى دليل مساءٍ له في الدرجة؛ وإلا أصبح القرآن تابعا للحديث وليس العكس، بينما قد تبين لنا بكل وضوح في الفصل الأوّل مكانة القرآن الكريم بالنسبة للحديث الصحيح الأحادي، والفروق الجوهرية بينهما.

وأورد الشاطبي ضابطاً منهجيا في مبحث العموم والخصوص فقال: "إن القاعدة إذا كانت كلية، ثم ورد في شيء مخصوص وقضية عينية ما يقتضي بظاهره المعارضة في تلك القضية المخصوصة وحدها، مع إمكان أن يكون معناها موافقًا لا مخالفًا، فلا إشكال في أن لا معارضة هنا وهو هنا محل التأويل لمن تأوّل، أو محل عدم الاعتبار

274

صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء، ح:7004.

1