الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٩٦211
أن المراد
الله فخذوه وما خالف كتاب الله فردّوه في عدم تخصيص روايات دون أخرى، وإطلاق البيان من بالمخالفة جميع أنواع التخالف لا خصوص التباين فتنبه، فأوضح أن حديث العرض يأمر بردّ الروايات المخالفة للقرآن بصفة عامة؛ بما فيها المخصصة لعمومه ومحال الإيمانيات يتطلب الحيطة والاحتراز أكثر من غيره. ويري شريعت سنغلجي (ت 1943 م) من المدرسة ذاتها أن دور السنة يقتصر على العمليات (أي الفقهيات) كتفصيل مجملها، دون المسائل الإيمانية التي ترد غالباً مبينة ومفصلة في القرآن الكريم، أضف إلى ذلك كثرة وقوع الوضع في أحاديث العقيدة؛ مما يستدعي أخذ الحيطة من تسرب الدخيل إليها.
والتخصيص بالرغم من أنه نوع من البيان، لكنه في نفس الأمر يحمل نوعا من المعارضة؛ وليس من المعقول قبولها دوما تحت مسمى التخصيص؛ فمثلا لا يجوز قبول تخصيص آية {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [سورة الإسراء: 70] وأمثالها بحديث لا تنكحوا من الأكراد أحدا؛ فإنهم جنس من الجنّ كُشف عنهم الغطاء» وفق قاعدة تخصيص العام، ولو ساغ مثل ذلك لساغ تبرير كل الأحاديث المناقضة لصريح القرآن تحت مسمّى تخصيص العام، ولفقد القرآن إذا هيمنته وحاكميته، وأصبح تابعاً لا متبوعا.
ومن هنا نرجح أن أحاديث الآحاد - وإن كانت صحيحة عند أهلها لا تقوى على تخصيص عموم القرآن - ولا تقييد مطلقه خاصة في المسائل الإيمانية؛ إلا إذا كانت مؤيّدة بقرائن وأدلة قطعية كموافقة محكمات القرآن الكريم، بحيث تجعل المخصص في درجة المخصص، أما ما عدا ذلك فلا يسوغ المجازفة في مخالفة عامّ كتاب الله
تعالى.
ونضرب مثالا للتخصيص المقبول؛ تخصيص قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [سورة البقرة: 186] بحديث الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام؛ فأنى يستجاب لذلك؟»، فظاهر عموم الآية يقتضي الاستجابة لكلّ الدّاعين، فخصص الحديث اكل الحارم بعدم الاستجابة؛ فهذا التخصيص مقبول؛ لأنه مؤيد بأدلة قرآنية قطعية كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة المائدة:27]، وقوله في تمام الآية المخصصة: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي} [سورة البقرة: 186]؛ أي فإذا آمنوا واستجابوا له أجاب دعاءهم.
1
2
3
سبق تخريجه في مطلب التأصيل الحديثي للعرض.
عباس الموسى، قاعدة العرض على القرآن بين النظرية والتطبيق http://walfajr.net، 2015/03/09 م.
ينظر: سنغلجي، كليد فهم قرآن (بالفارسية)، ص 39 - 41؛ نقلا عن: حب الله حيدر، نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي، مرجع سابق، ص
614
5
الكليني، فروع الكافي، كتاب النكاح، باب من كره مناكحته من الأكراد والسودان وغيرهم، ح 2. صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، ح:1748.
277