الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٩٧فهذا عن تخصيص عام القرآن وتقييد مطلقه؛ أما عن الحالات الأخرى من التبيين بالأحاد، كتفصيل المجمل وتوضيح المشكل؛ فيُقبل الحديث المبين ظنا لا قطعا؛ أي استئناسا لا تأسيسا؛ ودوما مع توفّر شرط عدم معارضة القرآن؛ حيث اشترط بعض العلماء في الحديث المبين أن يكون موافقا للقرآن وموازياً له، لا يعارضه في شيء ولا يناقضه، ضرورة أن البيان يأتي وفق المبيَّن، والله تعالى قد بيّن أصول الإيمان التي لا يُستغنى عنها مفصلة في كتابه، وما فوق ذلك مما بينه الحديث فيفيد الظن؛ ومثال ذلك تفسير السبع المثاني بأنها فاتحة الكتاب، فيُقبل ذلك ظنّا دون قطع؛ لأنه لم يعارض القرآن.
6
311
قال الجويني (ت 478 هـ): "وإن لم تثبت الأدلة السمعية بطرق قاطعة، ولم يكن مضمونها مستحيلا في العقل وثبتت أصولها قطعا ولكن طريق التأويل يجول فيها؛ فلا سبيل إلى القطع ولكن المتدين يغلب على ظنه ثبوت ما دل الدليل السمعي على ثبوته "، أي أنّ الأدلة في مجال الغيب والإيمان إذا لم تثبت بطرق قطعية متواترة، وكان مضمونها مقبولاً عقلا، ومنسجماً مع كليات الوحي الثابتة بالقطع، فلا يُقطع بها، وإنما يؤخذ بها ظنا، ونشير إلى أنّ القرائن كلّما زادت ارتفع الظنّ الراجح واقترب إلى القطع واليقين، وعلى رأس هذه القرائن موافقة حقائق القرآن ومفاهيمه.
411
وقال سيد قطب (ت 1996 م): "ونحن على منهجنا في الظلال - لا نتعرّض لهذه الأمور الغيبية بتفصيل لم يرد به نص قرآني أو حديث نبوي صحيح متواتر؛ فهي من أمور الاعتقاد التي لا يُلتزم فيها إلا بنص هذه درجته، ولكنه في الوقت نفسه لا نقف موقف الإنكار والرفض، فاعتبر أن الأمور الاعتقادية تتطلب قطعية المصدر؛ ولذا التزم – في تفسيره - بإيراد القطعي المتواتر منها فحسب، من دون إنكار لما هو دونه في مرتبة الظن. والنصوص في مسائل الإيمان كما هو معلوم - منها الظنّية ومنها القطعية ثبوتا ودلالة؛ فينبغي القبول بالخلاف في الظنية منها؛ لكونها من الفروع ولا تُبنى عليها أحكام الكفر والإيمان ومن ذلك الحديث الأحادي المخصص للقرآن، فهو مما يُقبل فيه الاجتهاد والخلاف، قال سلطان البطاشي (ت 1278 هـ): "إن تخصيص العموم لا يمنع من جواز الخلاف والنزاع حتى يقترن بالإجماع، ولا يكون كذلك من الحديث إلا المنقول بالتواتر؛ فأجمع عليه أهل العدل خلفا عن سلف وكابرا عن كابر؛ فاستثنى الحديث المتواتر المجمع عليه من دائرة الخلاف؛ لأنه يفيد القطع، إذا ثبت تواتره قطعا وحظي بالاتفاق.
5
1
2
3
4
5
ابن الشيخ، القرآن تفسيره ومفسروه - السنة روايتها ورواتها عند الإباضية، مرجع سابق، ص 59.
ينظر: صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن باب ما جاء في فاتحة الكتاب،
ح:
4213
عبد الملك أبو المعالي الجويني، الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، مكتبة الخانجي، مصر، 1950 م، ص 359.
سيد قطب، في ظلال القرآن سورة الأنفال، مرجع سابق، 1531/ 3. محمد البطاشي، جوابات ورسائل العلامة البطاشي دط، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عُمان، 2003 م، ص 249.
سلطان بن
278