الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٩٩ومن المعارضة أيضا مخالفة الحديث للروح العامة للقرآن؛ بمعنى مخالفة المقاصد الكبرى المستنبطة من القرآن الكريم، وعدم الانسجام مع كلياته وقوانينه العامة؛ فيظهر من هذا أن التعارض قد يكون بين دليلين، وقد يكون بين دليل ومجموع الأدلة التي تشكل الأطر والكليات العامة للمسألة محل الدراسة.
2 - أنواع التعارض.
ميز العلماء بين نوعين من أنواع التعارض باعتبار حقيقته، هما: التعارض الظاهري والتعارض الحقيقي؛ حيث قد تكون المخالفة ظاهرية وقد تكون حقيقية؛ أما التعارض الظاهري فيجده الناظرُ أوّل الأمر، ثم لا يلبث أن يزول بإمعان النظر ومحاولة الجمع والتوفيق؛ ولذلك سمي بالتعارض البدوي (أي فيما يبدو) أو التعارض غير المستقر، وهذا موجود حتى بين آيات القرآن الكريم؛ لكنه زائل بالجمع والتأويل المعهود في عُرف اللغة.
أما التعارض الحقيقي فهو: "التضاد بين الحديث وأمرٍ آخر من قرآنٍ أو حديث مثله، أو عقل ورأي، أو حادثة وواقع، تعارضاً بيناً بشرط صحة المتعارضين، وحدوث التناقض من كل وجه؛ فهو الذي يتعذر فيه الجمع
1?
والتوفيق، وتبقى فيه المخالفة مستقرة. ويخرج عن الحديث المعارض الأحاديث التي بينت القرآن أو أكدته (الموافقة)، أو التي أتت بأحكام زائدة لم يتعرّض لها (المستقلّة)، فلا تُعَدُّ مناقضة له المجرّد الزيادة؛ إذ الزيادة غير المعارضة.
ثانيا: مسالك درء التعارض وضوابطه
عندما يجد الناظر تعارضاً بين الآية والحديث؛ فلا بد أن يكون ذلك راجعًا إلى أحد أمرين: إما إلى إشكال في ثبوت الحديث، أو اشتباه في مدلول أحد النصين المتعارضين ولا يمكن أبدا أن تكون المعارضة واقعةً في نفس الأمر؛ لأنَّ مصدرهما واحدٌ من عند الله تعالى؛ ومحال في وحي الله وعمل التعارض والاختلاف، وقد عد القرآن الكريم الاختلاف والتناقض في القول أمارةً على أنه ليس من الله، حيث قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [سورة النساء: 82].
وما كان للنبي أن يأتي بشيءٍ يخالفُ به كتاب الله تعالى، فقد طالبه الكفار بالإتيان بقرآن مثله فأنزل الله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ
عَظِيمِ} [سورة يونس: 15]، فكلامه اتباع للوحي المنزل عليه، فلا يجوز أن يكون تبديلاً له أو مخالفةً إياه. وقد أوردنا أوجه ورود السنة على القرآن وذكرنا أنها إما أن تكون مؤكّدة له، أو مبينة، أو مضيفة حكما سكت عنه، "ولا تخرج عن هذه الأقسام فلا تعارض القرآن بوجه ما؛ لذا ففي حال العثور على تعارض بينهما ما"؛
1
2
لطفي الزغير، التعارض في الحديث (أطروحة دكتوراه)، ط 1، مكتبة العبيكان، الرياض، 1428 هـ، ص 24. ينظر: مصطفى شلبي، أصول الفقه، سابق، ص 135. مرجع
280