الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٣٠6
2. أخرج مسلم (ت 261 هـ) في صحيحه أن عائشة قالت: «كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله، وهن فيما يقرأ من القرآن»، وظاهر الرواية مُشكل جدا؛ إذ يوهم أن تلك الآية ضاعت أو حذفت بعد وفاة النبي الله، ولذا أوّلها النووي بقوله: "ومعناه: أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جدا، حتى إنه توفي وبعض الناس يقرأ خمس رضعات ويجعلها قرآنا متلوّا؛ لكونه لم يبلغه النسخ لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك، وأجمعوا على أنّ هذا لا يتلى 2، فأول تلك العبارة بتأخر النسخ إلى قرب وفاته، حتى أن بعض الناس استمر في قراءتها بعد وفاة النبي، دون علم
بنسخها.
وبالرغم من هذا التأويل فإن الإشكال غيرُ مرفوع؛ حيث إذا كانت الآية منسوخة من القرآن؛ فما هو الدليل الذي ينص على نسخها، وهل هو في مرتبة الآية؟ وكيف يصح أن يُنسخ شيء من القرآن برواية آحاد كهذه، فتبلغ بعض الناس ولا تبلغ بعضهم؟!.
31
وقد أورد الزركشي (ت 794 هـ) قول من أنكر هاته الرواية حيث قال: وحكى القاضي أبو بكر (ت 403 هـ) في الانتصار عن قوم إنكار هذا القسم أي ما نُسخ تلاوةً وحكما]؛ لأنّ الأخبار فيه أخبار آحاد، ولا يجوز القطع على إنزال القرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجة فيها، فنفوا القول بنسخ القرآن بحديث الآحاد. 3. أخرج ابن ماجة (ت 273 هـ) أن عائشة قالت: «لقد نزلت آية الرجم، ورضاعة الكبير عشرا، ولقد كان في صحيفة تحت سريري، فلما مات رسول الله وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها، فهذا الحديث ينص على ضياع آيات من القرآن الكريم بعد وفاة النبي، كانت مكتوبة في صحيفة، فتعرّضت إلى إتلاف من قبل داجن؛ أي شاة أو نحوها!.
ومنهم:
وقد ردّ العديد من العلماء هذه الرواية لمخالفتها لما تقرّر من حفظ الله تعالى لكتابه من النقصان والضياع
ابن حزم (ت 456 هـ)؛ قال: وقد غلط قومٌ غلطاً شديداً، وأتوا بأخبار ولدها الكاذبون والملحدون، منها أنّ الداجن أكل صحيفةً فيها آية متلوّة فذهب البتة .... ، وهذا كله ضلال نعوذ بالله منه ومن اعتقاده، وأما الذي لا يحل اعتقاد سواه فهو قول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [سورة الحجر: 9]، فمن شكّ في
1
2
3
4
صحيح مسلم، كتاب الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات، ح: 2712.
يحيى بن شرف النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ط 2، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1392 هـ، 29/ 10. ينظر: محمد بن الطيب القاضي أبو بكر الباقلاني، الانتصار للقرآن، تح: محمد عصام القضاة، ط 1، دار الفتح، عمَّان، 2001 م، 114/ 1. بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، البرهان في علوم القرآن، تح محمد أبو الفضل إبراهيم، ط 3، مكتبة دار التراث، القاهرة-مصر،
40 - 39/ 21983/1404
5
سنن ابن ماجه، كتاب النكاح، باب رضاع الكبير، ح:1940؛ حسنه
الألباني.
11