الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٣٠٣

أُخرى} [سورة النجم: 13]، قالت: «إنما هو جبريل»، فعزت معارضة الأحاديث للنصوص القرآنية إلى تعرّضها

للتصرف في ألفاظها ومعانيها؛ لأن الحديث يُنقل بالمعنى غالبا.

ومن

أمثلة ذلك أيضا: حديث «خلق الله آدم على صورته، فرواه بعضهم هكذا مجردا عن سياقه، فأوهم

أن الضمير راجع إلى الله، وهذا موهم لتشبيه الله تعالى بخلقه، ويتنافى مع كليات القرآن الكريم؛ لكن لما نأخذ الحديث في سياقه يزول الإشكال؛ إذ نجد الضمير عائدا إلى العبد وليس إلى الله، فتمام الحديث «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَحَاهُ، فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» 3، أي خُلق آدم على صورة وجه ذلك الإنسان، وبهذا

يزول الإشكال من الحديث. فالخطأ والبتر في الرواية وارد، قال مسفر الدميني: "فربّما أخطأ هذا الراوي أو ذاك في روايته، ثم صحف الآخر كتابه، واختصر الأخير ما سمعه فاقتصر ببعض الحديث عن طوله؛ فلا شكّ أن ما سبب نراه من تعارض بين كثير من الأحاديث وبين القرآن، أو بين الأحاديث ذاتها؛ راجع إلى بعض هذه الأسباب أو إليها مجتمعة … ، فربما كان للحديث الذي تظهر فيه معارضة أصل في الحقيقة، لكنّ النقل السيء له هو الذي جعله معارضا للنص القرآني"، ولهذا يُطلب من الباحث جمع ألفاظ الحديث، والمقارنة بينها، ثم محاكمتها إلى نصوص القرآن؛

الفهم

لاستخراج مواطن الزيادة والإدراج والتحريف، والتصحيف، واختيار الصيغة التي تنسجم مع النص القرآني. كما أن النظر في سبب الورود وملابسات القضية؛ يُسهم كثيرًا في توضيح المقصود بالرواية واكتشاف السديد لها، أما بتر الحديث عن سياقه وسبب وروده، وجعله قاعدة عامة، فقد يكون مصدرًا للإشكال. فهذه بعض أوجه الجمع والتوفيق، وهناك أوجه أخرى مثل: حمل الواقعة على التعدّد، وحمل النص المتعارض على أسلوب ضرب المثل لا حقيقة الأمر، وغير ذلك، ولا يسع المقام لتفصيلها أو إيرادها كلّها؛ فلتراجع في مظاتها، لكن ينبغي التنبه إلى ظاهرة التكلّف في التوفيق التي سنتطرق إليها قريبا.

صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب معنى قول الله: وَلَقَدْ رَآهُ نَزَلَةً أُخْرَى، ح: 285

2

3

4

صحيح البخاري، كتاب الاستئذان، باب بدء السلام، ح:5882.

مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن ضرب الوجه، ح:4838.

ينظر هذا التوجيه وأوجها أخرى محمد بن الحسن ابن فورك مشكل الحديث وبيانه، ط 2، عالم الكتب، بيروت، 1985 م، ص 48 - 60؛ هذا خلافا لمن أرجع الضمير إلى الرحمن كابن تيمية في رده على الرازي وغيره؛ ينظر: أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، بيان تلبيس الجهمية في تأسيس الكلامية، ط 1، بدعهم مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، السعودية، 1426 هـ، 355/ 6 فما بعد. الدميني، مقاييس نقد متون السنة، سابق، ص 74. مرجع

5

6

الكتب المتقدمة في دراسة التعارض في الحديث: اختلاف الحديث للشافعي، ومختلف الحديث لابن قتيبة، وتهذيب الآثار' لابن جرير الطبري، مشكل الآثار وشرح معاني الآثار للطحاوي، ومشكل الحديث وبيانه لابن فورك، وكشف مشكل الصحيحين" و"التحقيق في أحاديث

من

الخلاف لابن الجوزي، والتنبّهات المجملة للعلائي.

284