الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٣٠٤2 - أهمية الجمع والتوفيق وشرطه.
يعد
من اللازم لدى بعض العلماء اعتبار خطوة الجمع والتوفيق عند التعارض؛ فليس كل حديث عارض ظاهره القرآن يُحكم عليه بالردّ من أول وهلة، فالمخالفة الموجبة للرّد هي المعارضة من كل وجه، بحيث لا يمكن فيها الجمع بوجه من الوجوه القريبة، أما المخالفة الظاهرية التي يمكن معها الجمع كالمخالفة الحاصلة بين العام والخاص والمطلق والمقيّد، ونحوه، فلا تستدعي الردّ، بالضرورة خاصة في جانب الأحكام وأمور الاستنباط التي تعبد الله كثير منها بالظن، وأوكل مهمة تبيينها للنبي، فلا يستعجل فيها بالرد.
في
وذكر ابن حزم (ت 456 هـ) أن الجمع والتوفيق أمر واجب حيث قال: "إذا تعارض الحديثان، أو الآيتان، أو الآية والحديث، فيما يَظُنُّ من لا يَعْلَم، ففرض على كل مسلم استعمال كلّ ذلك؛ لأنه ليس بعض ذلك أولى بالاستعمال من بعض، ولا حديث بأوجب من حديث آخر مثله ولا آية أولى بالطاعة لها من آية أخرى مثلها، وكل من عند الله وعل، وكل سواء في باب وجوب الطاعة والاستعمال ولا فرق، فمستنده عدم وجود فرق بين الدليلين المتعارضين، فكان إعمالهما معا أولى من إهمال أحدهما؛ ولكن يبدو أن الأمر مختلف عندما يكون التعارض بين الآية والحديث؛ فالفرق بين مرتبتيهما ظاهر.
11
وقد انتقد يوسف القرضاوي بعض المتعجّلين لما يقرأ حديثا فيتوهم معنى في نفسه يفسره به، وهو معنى غير مقبول، فيتسرّع إلى ردّ الحديث لاشتماله على هذا المعنى، واعتبر التسرع في ردّ الحديث الصحيح من المجازفة المرفوضة وإن أشكل معناه، ويرى أنه "يجب على المسلم الحريص على دينه ولاسيما المنتسب إلى العلم- أن يتثبت في أمره، ويتريث كل التريث، ويحيط بالأمر من جميع جوانبه، ولا يتعجّل بردّ الحديث الصحيح إذا كان ظاهره يدل على متن غير مقبول في الدين أو العقل ما وجد مندوحة لتأويله وحمله على وجه مستساغ، فمهما يكن للحديث وجه يمكن حمله عليه بلا تكلّف ولا تعسّف، فلا ينبغي أن يعدل عنه، ويلجأ إلى ردّ الحديث الصحيح لمجرد الاستبعاد لظاهره لأول وهلة، فأكد على أن إعمال نص الحديث الصحيح أولى من إهماله، ومستنده الحرص على السنة النبوية أن ينالها شيء من الإنكار أو التفريط؛ غير أن باب الجمع بين الأدلة ليس مفتوحاً على عواهنه وإنما له ضوابط وشروط كما سنرى.
لكننا وقفنا على شرط مهم للجوء إلى الجمع عند بعض العلماء، وهو أن يكون الدليلان المتعارضان متساويين في القوة أو الحجية، حتى يصح الجمع بينهما؛ فإذا كان أحد طرفي التعارض أقوى من الآخر، كأن يكون أحدهما قطعي الثبوت والآخر ظنّي الثبوت، يُصار إلى ترجيح الأقوى والعمل بمقتضاه، دون الدليل الآخر،
ابن حزم الأندلسي الإحكام في أصول الأحكام، مرجع سابق، 21/ 2.
ينظر: القرضاوي، كيف نتعامل مع السنة النبوية - معالم وضوابط، مرجع سابق، ص 40–47. يوسف القرضاوي، المرجعية العليا في الإسلام، مرجع سابق، ص 147 148.
285
1
2
3