الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٣٠٥ولا يُلجأ حينئذ إلى الجمع والتوفيق، فلا يكون التعارض معتبرا لسقوط الاعتبار عن الدليل الأقل قوة، وممن ذكر
ذلك:
الدبوسي (ت 430 هـ)؛ قال: "أما شرط المعارضة فاجتماع الحجّتين المتدافعتين، بإيجاب كل واحدة منهما ضد الأخرى، في محل واحد ووقت، واحد كالتحليل والتحريم والإثبات والنفي؛ وهما متساويتان في القوة؛ لأن الضعيف لا يقابل القوي، فاعتبر التساوي في القوة للدليلين المتعارضين من شروط المعارضة.
211
وهو ما أكده السرخسي (ت 483 هـ)؛ حيث عرّف ركن المعارضة فقال: "هو تقابل الحجتين المتساويتين على وجه يُوجب كلّ وَاحِد مِنْهُمَا ضد ما توجبه الأُخْرَى، كالحلّ وَالحُرْمَة وَالنَّفْي وَالْإِثْبَات؛ لِأَن ركن الشَّيْء مَا يقوم بِهِ ذَلِك الشَّيء؛ وبالحجّتين المتساويتين تقوم الْمُقَابلَة؛ إذا لَا مُقَابلَة للضعيف مَعَ القوي"؛ فجعل تساوي الحجتيْن في القوة ركنا أساساً للتعارض، فبدونه لا يصح وصف التعارض أصلا؛ بل يُلجأ مباشرة إلى تقديم الأقوى على الأضعف.
4
أما
بين
محمد المناوي (ت 1031 هـ)؛ حيث قال: "إنما يُحتاج إلى الجمع بين حديثين إذا استويا صحة أو حسنا أو ضعفا "5، فاعتبر أن الجمع والتوفيق إنما يُحتاج إليه في حال استواء الدليلين في القوة؛ وهذا بين حديثين؛ القرآن وخبر الآحاد؛ فلا تعارض بينهما من باب أولى.
عبد الكريم النملة (ت 2014 م): "ليس كل تعارض بين دليلين صحيحاً، بل إن للتعارض الصحيح شروطاً، [ذكر منها] أن يتساوى الدليلان في القوة، فلا تعارض بين دليلين تختلف قوتهما من ناحية الدليل نفسه، كأن يدل حديث متواتر على تحريم شيء، ويدلّ حديث آحاد على جوازه فهنا لا تعارض بينهما، حيث يقدّم الدليل المتواتر؛ والتساوي بين الدليلين يجب أن يكون من جميع الوجوه؛ فلا بد من التساوي في الثبوت فلا تعارض بين متواتر وآحاد، ولا بدّ من التساوي في الدلالة فلا تعارض بين ما دلالته قطعية وما دلالته ظنية"؛ وبهذا الشرط لا تصلح قاعدة الإعمال أولى من الإهمال عند اختلاف المرتبة بين الدليلين المتعارضين، وتكون صالحة فقط في حال التساوي؛ أي عندما يكون التعارض بين قطعيين، أو بين ظنّيين من نفس القوة.
6
عبد اللطيف عبد الله عزيز البرزنجي، التعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1993 م، 222/ 1؛ وذكر أنه قول
جمهور
3
4
الحنفية وبعض الشافعية وبعض المحدثين.
الدبوسي تقويم الأدلة في أصول الفقه، مرجع سابق، ص 214
السرخسي، أصول السرخسي، مرجع سابق، 12/ 2.
محمد عبد الرؤوف المناوي من كبار العلماء بالدين والفنون انزوى للبحث والتصنيف وكان قليل الطعام كثير السهر، فمرض وضعفت أطرافه … ، له نحو ثمانين مصنفا منها الكبير والصغير والتام والناقص عاش في القاهرة، وتوفّي بها، من كتبه كنوز الحقائق (ط) في الحديث، والتيسير (ط) في شرح الجامع الصغير؛ الزركلي، الأعلام، مرجع سابق، 204/ 6.
6
5
محمد عبد الرؤوف المناوي، فيض القدير شرح الجامع الصغير، مرجع سابق، 323/ 1.
عبد الكريم بن علي النملة، الْمُهَذَّبُ في عِلْمٍ أُصُولِ الفِقْهِ الْمُقَارَن، ط 1، مكتبة الرشد، الرياض، 1999 م، 2412/ 5.
286