الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٣٠٦وذهب "جمهور الأصوليين إلى أن المساواة بين المتعارضين ليست بشرط في جواز الجمع بينهما، بعد أن
بلغ
كل من الطرفين المتخالفين درجة الحجية، أي ما دام أن كلاً من المتعارضين حجّة، فيجب الجمع بينهما وإن لم
يستويا في القوة.
ويذهب الباحث إلى اشتراط التساوي بين المتعارضين وبخاصة في أصول الإيمان؛ لأنّ مبناها القطع –كما أثبتنا في الفصل الأول-، فيلجأ إلى الجمع والتوفيق بين قطعيين، أو بين ظنّيين فقط، بينما لا يجب الجمع والتوفيق بين الظني والقطعي؛ لاختلافهما في المرتبة، بل يقدّم الأقوى على ما دونه.
3 - ظاهرة المبالغة والتكلف في الجمع.
ذهب جمهور العلماء إلى ضرورة الجمع بين الأدلة التي يوهم ظاهرها التعارض، غير أن اتجاهاتهم مختلفة في مقدار الأخذ به؛ فذهب بعضهم إلى عدم التساهل في قبول الجمع وتأويل المختلفين وتضييق دائرته، بينما ذهب بعضهم إلى التساهل في ذلك، وقالوا لو لم يتيسر التأويل القريب فليكن بالتأويل البعيد، فبعضهم توسع في الجمع بين النصوص حتى أخذ بالتأويل البعيد، والبعض الآخر شدّد في ذلك.
وأشار بعض العلماء بشأن تطبيقات درء التعارض إلى ظاهرة جديرة بالتأمل والنظر، وهي التعسف
والتكلّف في تأويل النصوص المتعارضة بغرض التوفيق بينها، ومما جاء في وصف هذه الظاهرة ما يأتي: ابن قتيبة (ت 276 هـ)؛ صنّف كتابًا في مختلف الحديث؛ اجتهد فيه على درء التعارض بين الآيات والأحاديث، وبين الأحاديث المتعارضة فيما بينها، وكتابه هذا مع قيمته العلمية لم يخل من نقد بعض المحدثين، حيث قال فيه ابن الصلاح (ت 643 هـ): "وكتاب مختلف الحديث لابن قتيبة في هذا المعنى إن يكن قد أحسن فيه من وجه، فقد أساء في أشياء منه، قصر باعه فيها، وأتى بما غيره أقوى وأولى "3، وقال ابن كثير (ت 774 هـ) فيه: "وكذلك ابن قتيبة له فيه مجلّد مفيد، وفيه ما هو غثّ، وذلك بحسب ما عنده من العلم، فثمنوا ما فيه من فوائد، ولم
يوافقوه في جوانب
311
من جنس
ما
ابن تيمية؛ ذكر في سياق حديثه عن علل -الحديث أن هناك ممن يدعي اتباع الحديث والعمل به، كلما وجد لفظا في حديث قد رواه ثقة أو رأى حديثا بإسناد ظاهره الصحة، يريد أن يجعل ذلك جزم أهل العلم بصحته، حتى إذا عارض الصحيح المعروف أخذ يتكلف له التأويلات الباردة أو يجعله دليلا له في مسائل من يتكلف في قبول حديث الثقة مع معارضته
العلم، مع
أن أهل العلم يعرفون أن مثل هذا غلط"5،
فانتقد
1
2
3
البرزنجي، التعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية، مرجع سابق، 223/ 1.
4
5
محمد إبراهيم الحفناوي، التعارض والترجيح عند الأصوليين وأثرهما في الفقه الإسلامي، ط 2، دار الوفاء، المنصورة، 1987 م، ص 260.
ابن
ابن
ابن
الصلاح، المقدمة، مرجع سابق، ص 285.
كثير، الباعث الحثيث في علوم الحديث، مرجع سابق، ص 481.
تيمية، مجموع الفتاوى، مرجع سابق، 353/ 13.
287