الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٣١٠الرواة عن الخطأ"، موضحا أن الولع بصون الرواة عن الخطأ أوقع في تطرّق الخلل إلى جهات أخرى"؛ فذكر أن هذه الظاهرة شائعة في منهج الشرّاح والمحدثين، وبخاصة المتأخرين منهم، وتلك المبالغة في الجمع والتوفيق دافعها الحرص على صون الرواة من الخطأ، والأصل أنهم بشر غير معصومين ووحي الله تعالى أولى بالحرص والصون عن أن تشوبه شائبة، أو أن يُعرض للقدح والتجريح.
حبّ الله حيدر (معاصر)؛ أبرز في بحثه هذه الظاهرة لدى مدرسة الإمامية أيضا، حيث أطلقوا عليها "نظرية الجمع مهما أمكن أولى من الطرح أو الجمع التبرعي؛ إذ يتبرع فيه الباحث بالتوفيق بين نصين باحتمالات وأوجه من عنده، دون مراعاة ضوابط اللغة والدلالة؛ فهذه النظرية تسعى للحفاظ على الحديث وعدم
3
رده مهما كان، ومن هؤلاء محمد الطوسي (ت 460 هـ) الذي كانت قاعدته قائمة على التوفيق بين النصوص، حتى لو بدا هذا التوفيق بعيداً عن ظواهر الكلام ومدلولاته العُرفية، ولم تقف هذه الظاهرة عنده فحسب، بل
6
411
استمرت بعده لقرون عديدة، حيث كانت حاضرةً في كتاب "وسائل الشيعة للحرّ العاملي (ت 1104 هـ) فشخص وجودَ الظاهرة لدى مدرسة الإمامية، والمتمثلة في محاولة الشرّاح الدفاع المستمر عن الحديث المعارض بأوجه واحتمالات ولو كانت خارجة عن العرف اللغوي العام، وذكر أنها استمرّت لقرون، وممن برز في ذلك
الطوسي والحر العاملي.
العلماء، يمنع
وتطرق حبّ الله إلى شرح هذه الظاهرة، وسماها بالإفراط في التأويل، وعرّفه بأنه "منهج استخدمه بعض مطلقاً ربّما عن ردّ أي رواية مهما كانت باديةً مخالفةً للعقل أو الكتاب أو التاريخ القطعي، وهناك شواهد كثيرة جداً على ذلك، وذكر أنه "لم يتجه العقل الشيعي نحو تقنين تلك العملية إلا في الحقبة المتأخرة، ذلك"5، فأنشِئ ثمت ما يسمّى بالجمع العرفي أو التوفيق العرفي، والغرض منه تقنين عملية الجمع والتوفيق، وإقامتها على نظام فهم عام في العقل اللغوي الجمعي، في مقابل الجمع التطوعي الاعتباطي، وهكذا بين أنّ هذه الظاهرة لم تسلم منها مدرسة الإمامية بل كانت حاضرة بصفة بارزة لدى المتقدمين والمتأخرين منهم، مع محاولة لضبطها في
العصور المتأخرة.
611
1
2
معتز الخطيب، ردّ الحديث من جهة المتن - دراسة في مناهج المحدثين والأصوليين، مرجع سابق، ص 323.
م ن، ص 334.
الحسن الطوسي، الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، تح: حسن الموسوي الخرسان، دط، دار الكتب الاسلامية، طهران،
3
ينظر: محمد بن 1390 هـ، كله.
4
5
ينظر: حـ: حب الله حيدر، نظرية السنة في الفكر الإمامي، مرجع سابق، ص 478 - 480.
6
7
م ن، ص 562.
حب الله حيدر، نظرية السنة في الفكر الإمامي، مرجع سابق، ص 478.
لم أعثر على نصوص تشخص هذه الظاهرة لدى مدرستي الزيدية والإباضية، وهذا لا يعني سلامتهما منها؛ فالتقديس ظاهرة موجودة لدى مختلف
المدارس، على تفاوت بينها في الدرجة.
291