الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٣١١وحلّل عماد الدين الرشيد هذه الظاهرة مميزا بين منهجين للعلماء في الاجتهاد والتعامل مع الرواية، فقال:
"إذا كان العقل الاجتهادي ينطلق في التعامل مع النص من نظرة جزئية، بنيت على أساس من رؤية كل نص أصلاً بذاته، قلت ظاهرة ترك العمل بالحديث لدى هذا المجتهد؛ لأن ترك العمل بالحديث عنده ترك لأصل من الأصول، فلا يُقبل المجتهد على الحكم بذلك إلا حين تشتد المعارضة بين الحديث وما يقابله من نص أو قاعدة أو معنى عقلي؛ وهذا ما يفسر ندرة ترك العمل بالحديث عند الشافعية في الفقه، وعند الحنابلة في الفقه والعقيدة؛ لأنّ عقلهم الاجتهادي ينطلق من النظر إلى النص بوصفه أصلاً من الأصول، فإذا ما عارضته قاعدة مطردة مثلاً تعاملوا مع الحالة وكأنها تحكمها قاعدتان النص الجزئي والقاعدة المطردة، فبيّن أن المجتهد في هذا الاتجاه يجعل النص الحديثي أصلا من الأصول؛ ويرى أنه ما من حديث صحيح إلا وله وجه؛ فيتهيب من نقده وتركه وإن عارض غيره، ونستشكل على هذا الاتجاه بالقول: كيف يُرى الحديث الآحاد أصلا قبل أن يستكمل عملية نقده وكشف علله بعرضه على ما هو أقوى منه كالقرآن الكريم؟!.
وأما الاتجاه الثاني بحسب عماد الدين -الرشيد - فيتمثل في كون العقل الاجتهادي ينطلق من رؤية شاملة، تنتظم فيها النصوص؛ لتشكل قواعد كلية؛ وبذا يتكرّر في عمل المجتهد ترك العمل ببعض الأحاديث؛ لأن تصوره النظري للنصوص لا يقبل منها ما نبا عن الخضوع للقواعد العامة، وهذا المنهج أصح وأولى - في نظر الباحث- إذ الرؤية الكلية للنصوص والتي تثمر القطع مقدَّمة على النظرة الجزئية المثمرة للظنّ في الغالب؛ ولذا دعونا في خطوات العرض إلى الدراسة الموضوعية للآيات والأحاديث، بدل اجتزاء حكم من آية واحدة أو حديث آحاد. ويرى الباحث أنّ الدفاع عن الأحاديث المعارضة للقرآن الكريم، والتكلّف في تأويلها وقبولها يرجع في مختلف المدارس - إلى إحدى معوّقات عرض الحديث على القرآن الكريم التي ذكرناها سابقا، وهي تقديس عمل السابقين ومناهجهم، ويظهر أنموذج ذلك في عبارة الشافعي: الحديث قد يبدو معارضا لكتاب الله عل ومع. هذا نقبله، وليس لنا حجّة في ذلك إلا أنّ الذي نقله ممن يثبِتُ أهل الحديث حديثه"!، ويمكن حمل كلام الشافعي على ذمّ التسرّع في ردّ الحديث إذا رواه الثقات؛ إلا أن عبارته تحمل من تقديس عملهم ما لا يخفى، ونتساءل: إذا أوجدنا حلا لكل حديث مخالف لكتاب الله؛ فأين نضع علم علل الحديث؟!.
ولذا كان من الضروري البحث عن ضوابط التأويل باعتباره وجهاً من أوجه الجمع والتوفيق للتمييز بين مقبوله ومردوده؛ فينبغي أن يكون سليما مستساغاً، يدفع الإشكال؛ وإلا لم يكن للجمع فائدة، بل إنّه يزيد في التعارض ولا يدفعه مثل أي جواب في غير محله.
1
3
6
عماد الدين الرشيد، مفهوم نقد المتن بين النظر الفقهي والنظر الحديثي مجلة إسلامية المعرفة، ع 39، مرجع سابق، ص 97 - 98. 2 عماد الدين الرشيد، مفهوم نقد المتن بين النظر الفقهي والنظر الحديثي، مرجع سابق، ص 3 ص 98.
محمد الشافعي، اختلاف الحديث، مرجع سابق، ص 32.
292