الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٣١٢

-4 - ضوابط التأويل وشروطه

عرّف الزركشي (ت 794 هـ) التأويل بأنه: "صرفُ الكلام عن ظاهره إلى معنى يحتمله، ثم إن حمل لدليل فصحيح، وحينئذ فيصيرُ المرجوح في نفسه راجحاً للدليل، أو لما يُظَنُّ دليلا ففاسدٌ، أو لا لشيء فلعب، لا تأويل"، فالأصل في الكلام أن يُحمل على ظاهره ويُحتاج عند التعارض أن يُصرف إلى معنى آخر يحتمله اللفظ بدليل صحيح معتبر وإلا عُدّ تأويلا فاسدا، أو لغوا لا معنى له.

منها:

وقد وضع العلماء شروطا يتحقق بها التأويل الصحيح، منها

أ- ألا يخرج عن القواعد المقرّرة في اللغة والأصول؛ كالحقيقة والمجاز، والمطلق والمقيد والخاص والعام والقاعدة والاستثناء ونحوها.

ب-ألاّ يخالف نصوص الوحي وقواعد الشريعة؛ فلا يتعارض مع كلّياتها وقوانينها. ت أن يكون مما يليق بكلام الشارع الحكيم؛ أي يكون مستساغاً، ولا يكون متكلّفا سمجا، أو بعيدا عن معهود اللغة وعُرف الخطاب. فهذه الشروط ضروري توفّرها؛ لئلا يقع المجتهد في التأويل المتعسّف والبعيد عند توفيقه بين النصوص المتعارضة؛ فإذا افتقد أحد هذه الشروط عُدَّ تأويلا باطلا، ولا يُعتد بمثله في الجمع والتوفيق.

3

وزاد بعضُ المعاصرين شروطا تفصيلية لما سبق، هي:

أ- أن يكون المعنى الذي يؤول إليه اللفظ من المعاني التي يحتملها اللفظ نفسه ويدلّ عليها بطريق من طرق الدلالة. مع سياق النص الذي ورد فيه وعدم تعارضه معه فلا يؤخذ المعنى مبتورا عن سياقه. ت أن لا يكون فيه تطويع للنص وليّ العُنقه، تبعاً للميول والأهواء والأفكار المسبقة للشارح.

ب-انسجامه

وهذه الشروط تؤكد ضرورة انضباط التأويل بالقواعد المقرّرة في اللغة والأصول وعدم اتخاذه مطية لتمرير

من

التأويل

الآراء المذهبية، وبهذا نضمن تمام عملية التأويل بوجه سليم، مزيل للتعارض والإشكال. وممن اشترط عدم التكلّف والتعسف في التأويل القرضاوي؛ حيث قال: "وأعتقد أنّ هذا اللونَ بحمل الحديث على المجاز لا يضيق الدين به ذرعا، على أن يكون مقبولا غير متكلّف ولا متعسّف، وأن يكون قمت موجب للتأويل، والخروج من الحقيقة إلى المجاز على معنى أن يوجد ما منع من صريح العقل أو صحيح الشرع أو قطعي العلم أو مؤكد الواقع يمنع من إرادة المعنى الحقيقي … ؛ فالتأويل بغير مسوّغ مرفوض، والتأويل المتعسّف مرفوض، كما أن حمل الكلام على الحقيقة مع وجود المانع العقلي أو الشرعي أو العلمي أو الواقعي مرفوض

1

2

3

محمد بن بهادر الزركشي، البحر المحيط في أصول الفقه، مرجع سابق، 37/ 5. ينظر: محمد الحفناوي، التعارض والترجيح عند الأصوليين، مرجع سابق، ص 260 - 267.

محمد

بن

أحمد جهلان، فعالية القراءة وإشكالية تحديد المعنى في النص القرآني، ط 1، دار صفحات دمشق-سورية، 2008 م، ص 266، وينظر:

الزركشي، البرهان في علوم القرآن مرجع سابق، 150/ 2.

293