الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٣١٤

ومثال التأويل المستساغ؛ التوفيق بين قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف: 172] وحديث «أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان - يعني عرفة - فأخرج من صلبه كل ذرّية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلّمهم .... قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ»، فالحديث أخبر بأنّ الله تعالى أخذ الذرّية من ظهر آدم بينما الآية أخبرت بأنه أخذ الذرية من ظهور بني آدم!، قال ابن قتيبة (ت 276 هـ): "المعنيان متفقان بحمد الله، ومنه صحيحان؛ لأن الكتاب يأتي بجمل يكشفها الحديث، واختصار تدلّ عليه السنة؛ ألا ترى أن الله تعالى حين مسح ظهر آدم العلة على ما جاء في الحديث- فأخرج منه ذريته أمثال الذرّ إلى يوم القيامة، أن في تلك الذرّية الأبناء وأبناء الأبناء وأبناءهم إلى يوم القيامة؛ فإذا أخذ من جميع أولئك العهد وأشهدهم على أنفسهم، فقد أخذ من بني آدم جميعا من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم، أي عبّر القرآن الكريم عن الأصل (وهو آدم بالفرع الذي صدر منه (وهم بنو

آدم، وهذا من قبيل المجاز.

ثالثا: مسلك الترجيح.

311

411

الترجيح لغةً: مصدر من رجّح الشيء، ويُقال: "أرجح الميزان، أثقله حتى مال، واصطلاحًا: هو "تقوية أحد الطريقين على الآخر ليعلم الأقوى فيُعمل به ويُطرح الآخر "، فالترجيح في عمل المجتهد بيان القوة الزائدة في أحد الدليلين المتعارضين، ليُعمل به؛ فهو إمالة لكفّة أحد الدليلين على الآخر؛ لما توافر فيه من القوة والثقل على

نظيره.

ولا شك أن الدليل الأقوى هو الأولى بالترجيح والاتباع؛ لقوله تعالى: فَبَشِّرْ عِبَادِ. الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [سورة الزمر: 17 - 18]؛ فالدليل الأقوى هو من أحسن القول الذي يتبعه أولوا الألباب المهديين؛ ولقوله: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْل أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [سورة الزمر: 55]، وقد سمى الله تعالى كتابه الكريم في نفس السورة بأحسن الحديث، حيث قال اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} [سورة الزمر: 23]، ومن هذا يتبين وجوب تقديم كتاب الله تعالى على غيره من الأدلة عند التعارض.

1 مسند أحمد بن حنبل، ومن مسند بني هاشم، مسند عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ح:2378؛ صححه الآية والحديث استعملا لفظ "أخذ، و ليس لفظ "مسح الموهم للتشبيه؛ فيتحفّظ منه.

2

3

4

5

ابن قتيبة الدينوري، تأويل مختلف الحديث، مرجع سابق، ص 177–180.

الألباني.

محمد

محمد

بن

الرازي،

بن عبد الرزّاق، أبو الفيض الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس دط، دار الهداية، دب، دت،.ت، 384/ 6. مرجع سابق، 397/ 5. المحصول،

295