الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٣١٥

وقسم الشاطبي "الدليل الظنيَّ المعارض لأصل قطعي إلى قسمين: أحدهما أن تكون مخالفته للأصل قطعية،

فلا بد من ردّه؛ والآخر أن تكون ظنّية، إما بأن يتطرّق الظن من جهة الدليل الظني؛ بحيث تكون دلالته ظنّية فيحتمل التأويل، وإما من جهة كون الأصل لم يتحقق كونه قطعيا وفي هذا الموضع محال للمجتهدين، والثابت في الجملة أن مخالفة الظني لأصل قطعي يُسقط اعتبار الظنّي على الإطلاق، وهو مما لا يختلف فيه"، ففصل بين

قسمين:

الأول: أن تكون معارضة الظنّي للقطعى معارضة حقيقية أي جلية وواضحة فهنا يتحتم ردّ الظني، ويقصد بالقطعي محكم آي الكتاب، أما بالظنّي أحاديث الآحاد.

والثاني: أن تكون المعارضة ظاهرية، ظنيّة، وفيه حالتان إحداهما أن يكون الدليل الظني يحتمل تأويلا فيُصرف إلى معنى منسجم مع القطعي، والأخرى؛ أن يكون الاحتمال من جهة الدليل القطعي، إذ قد يكون ظنيا في دلالته، فيلجأ إلى التوفيق بينهما بأوجه الجمع المعروفة، وقد تختلف في ذلك الأنظار بين القبول والرد؛ لأن العملية اجتهادية، وأكد أن القاعدة المتفق عليها هي: أن الظنّي إذا خالف القطعي يسقط في الاعتبار. فالنظر إلى معارضة الحديث للقرآن الكريم ينبغى أن يكون من جانبين أحدهما من جهة الثبوت والآخر من جهة الدلالة؛ فمن جهة الثبوت فالقرآن الكريم كله قطعي ثابث ثبوتا لا مجال للشكّ فيه أما الأحاديث فظنية إلا المتواتر وهو نادر، والاجتهاد يقضي بتقدّم القطعي على الظني حال المخالفة؛ أما الجانب الثاني من جهة الدلالة؛ فالقرآن والحديث قد تكون نصوصهما قطعية أو ظنية الدلالة، ولتحقق المخالفة الحقيقية ينبغي أن يكون النصان لا يحتملان تأويلا سائغا، فإذا احتمله أحدهما أو كلاهما؛ وكان الجمع ممكنا فلا مخالفة بينهما؛ إذن من جهة الثبوت فالقرآن الكريم مقدّم على الحديث حال التعارض؛ أما من جهة الدلالة فالجمع بينهما قد يتحقق أو لا، بحسب احتمالهما لأوجه الجمع والتوفيق المستساغ.

3.

ومستند ترجيح الكتاب على الحديث عند التعارض الحقيقي هو الموزانة بين خصائص القرآن الكريم وخصائص الحديث التي فصلناها في أوّل البحث؛ والتي تدل بشكل قاطع أنّ كتاب الله تعالى هو المقدّم في الاعتبار؛ لأنه الأقوى مرتبة وحجّية، قال الشاطبي: "فكتاب الله تعالى هو أصل الأصول، والغاية التي تنتهي إليها أنظار النظار ومدارك الاجتهاد، وليس وراءه مرمى؛ لأنه كلام الله، وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى [سورة النجم: 42]، وقد قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة النحل: 89]، وقال: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ

الشاطبي، الموافقات، مرجع سابق، ص 462 - 463.

ينظر أمثلته تحت عنوان: "الظني إذا خالف قطعيا وجب ردّه: الشاطبي، الموافقات، مرجع سابق، ص 461 - 469.

الأدلبي، منهج

نقد المتن عند علماء الحديث النبوي، مرجع سابق، ص 239 - 240.

ينظر: عنصر البراهين العقلية للعرض في الفصل الأول من البحث.

296

1

2

3

4