الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٣١٨فرد الناقد لحديث ما ليس ردّا لكلام النبي ذاته، فذلك إعراض وكفرٌ لا يَقبل به مسلم، أما ردّ رواية
الراوي على أساس علمي فهو تمحيص وتثبت من الرواية، ولا يعدُّ إنكارًا للسنة النبوية.
2 - التوقف.
المحققين
من
في حال الالتباس وتساوي الدليلين المتعارضين في القوة وانعدام المرجّح أو ضعفه، فالتوقف أسلم، وهو -في هذه الحال- أولى من الإثبات أو النفي؛ لأنّ كليهما تقول على الشرع دون بينة، والتوقف في الحديث لا يعني تكذيبه بالضرورة، وإنما عدم الحكم عليه لا بالإثبات ولا بالنفي إلى أن تتبين حقيقته، وهذا هو منهج الصحابة والعلماء، وهذه جملة من أقوالهم: قال عمر بن الخطاب له في حديث فاطمة بنت قيس: "لا نترك كتاب ربّنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت"، مع أنها صحابية روت حديثاً عن النبي، لكن عمر توقف فيه؛ لما بدا له من معارضته الكتاب؛ خوفا من أن يكون الراوي ناسيا أو ساهيا؛ فقدم قداسة الوحي على حسن الظن بالراوي، بالرغم من كونه ثقة عدلا.
قال الوارجلاني (ت 570 هـ): "والأصل في هذه المسألة أن أخبار الآحاد مقبولة في نقل الشريعة، ومن قصر فهمه عن الحجة، وقارنته قرينة الارتياب فيسعُه التوقف ولو كثروا [أي الرواة، وليس ذلك يقدح في المسلمين"2؛ فالتوقف مطلوب عند الارتياب في صحة حديث الآحاد ولو كثر من رواه، فلا يترتب عليه مذمّة ولا إثم، ما دام المقصد هو التثبت والتحري. قال الشاطبي (ت 790 هـ): "السنة راجعة إلى الكتاب، وإلا وجب التوقف عن قبولها، فاعتبر أن السنة لا تخرج عن أصول الكتاب وقواعده وفي حال شرودها عنه يجب التوقف عن الأخذ بها، ومراجعة مسألة ثبوتها. قال ابن حجر (ت 852 هـ): صار ما ظاهره التعارض واقعا على هذا الترتيب: 1 - الجمع ما أمكن، 2 - فاعتبار الناسخ والمنسوخ -3 فالترجيح إن تعيّن -4 ثم التوقف عن العمل بأحد الحديثين، فبين الخطوات الأربع مرتبة في دراسة التعارض والترجيح، وآخرها التوقف.
ويُلحظ أنه لم نتطرّق إلى الخطوة الثانية: النسخ؛ لكونه خاصا بمجال الأحكام دون الإيمانيات؛ فالنسخ لا يدخل على الأخبار؛ وأيضا بسبب ما وُجّه إلى مسألة النسخ من نقود وإشكالات علمية ليس محل ذكرها هنا. قال الطاهر الجزائري (ت 1338 هـ): "وقد أنكر كثير من المحققين كل تأويل بعيد وإن لم يتبيّن فيه التعسف، حتى توقفوا في كثير من الأخبار التي رواها الثقات لأمر دعاهم إلى ذلك، مع أنهم لو أوّلوها كما فعل غيرهم لزال سببُ
1
2
3
سبق تخريجه في التأصيل الحديثي للعرض.
الوارجلاني، العدل والإنصاف، مرجع سابق، 72/ 1.
الشاطبي، الموافقات، مرجع سابق، ص 7
1 ابن
حجر
677،
العسقلاني، نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، مرجع سابق، ص 97.
299