الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٣١٩التوقف، ولكن لما رأوا التأويل لا يخلو من بعد لم يلتفتوا إليه، ومثل لذلك بحكم ابن تيمية بالغلط على روايتين من الصحيحين، فهؤلاء توقفوا في أحاديث مع إمكان تأويلها، لكنهم لم يؤوّلوها لما رأوا أن الأمر لا يخلو من بعد
وتكلّف.
311
قال الفراهي (ت 1349 هـ): "فالسبيل السّويّ أن تعلم الهدى من القرآن وتبني عليه دينك، ثم بعد ذلك تنظر في الأحاديث فإن وجدت منها ما كان شاردا عن القرآن حسب بادئ النظر أوّلته إلى كلام الله، فقرت عيناك، وإن أعياك فتوقف في أمر الحديث واعمل بالقرآن، وقد أُمرنا أولا وآخرا بإطاعة الله ثم بإطاعة رسوله، فاعتبر أن استقاء الهداية أساسا من كتاب الله تعالى، فبها يتم التمييز بين الأحاديث، فما وُجد منها غير منسجم مع الكتاب يُؤوّل، وإذا تعذر يُتوقف فيه، ويُعمل بالقرآن فإنه أولى بالاتباع. قال إبراهيم بيوض (ت 1401 هـ): "فما وُجد في كتب الحديث مما يخالف ويناقض مناقضة صريحة ما في القرآن الكريم يجب أن يتوقف فيه، ويُبحث فيه حتى يتحقق منه، وإنا لا نقبل أبدا شيئا يخالف صريح القرآن"، فبين وجوب التوقف وعدم قبول ما يخالف محكم القرآن، وقال في أحد تطبيقاته: "ونحن لا نصدق الرواية ولا نردّها "5، والتوقف قد يكون ظرفيا، ريثما يتم البحث في المسألة وجمع أدلتها وتحريرها.
6
ويرى القرضاوي (معاصر) أن من حق المسلم أن يتوقف في أي حديث يرى معارضته للقرآن الكريم إذا لم يجد له تأويلا مستساغا"، فاعتبر التوقف في الحديث حقا للمسلم حينما يجد تعارضا بينه وبين القرآن دون الوصول إلى مخرج سليم، ومثل لذلك بنفسه قائلا: "وقد توقفتُ في حديث رواه أبو داود وغيره «الوائدة والموءودة في النار»، حين قرأتُ الحديثَ انقبض صدري، وقلت: لعل الحديث ضعيف، فليس كل ما رواه أبو داود في سننه صحيحا كما يعلم أهل هذا الشأن، ولكن وجدتُ من نص على صحته … ، والحكم عليها بالنار يعارض قوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [سورة التكوير: 8 - 9]، وقد رجعت إلى الشراح لأرى ماذا قالوا في توجيه الحديث، فلم أجد شيئا ينقع الغلة، فشكَّ في صحة الحديث الصحيح اعتمادا على مخالفته للقرآن الكريم، ولم يجد في كتب الشرّاح تأويلا مستساغا يدفع به الإشكال، فتوقف فيه.
2
1 الطاهر الجزائري، توجيه النظر، مرجع سابق، 520/ 1.
ينظر: م ن، 520/ 1 - 521.
3 الفراهي
4
5
6
7
8
9
الهندي، رسائل المعلم، مرجع سابق، ص 225.
إبراهيم بيوض، في رحاب القرآن، مرجع سابق، 12/ 678.
ن، 258/ 3. م
القرضاوي، كيف نتعامل مع السنة، مرجع سابق، ص 96.
سنن أبي داود، كتاب السنة، باب في ذراري المشركين، ح:4115؛ صححه
يقصد الألباني في السلسلة الصحيحة، كما سبق في التخريج.
السنة،
القرضاوي، كيف نتعامل
مرجع سابق، ص 96. مع
الألباني.
8
300