الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٣٢وأمر بإتلاف ما خالفها، وكان فعله هذا باتفاق منه ومن على بن أبي طالب وسائر الصحابة، وغيرهم"، فبذلك حُسم الخلاف، وسُدّ ما يمكن أن يتسرّب منه شيء إلى الكتاب العزيز.
وقد وضعوا لذلك الجمع شروطا معتمدة على أدق أنواع التحري ذكرها الزرقاني (ت 1367 هـ) في قوله: وما تواضع عليه هؤلاء الصحابة أنهم كانوا لا يكتبون في هذه المصاحف إلا ما تحققوا أنه قرآن، وعلموا أنه قد استقرّ في العرضة الأخيرة، وما أيقنوا صحته عن النبي مما لم ينسخ، وتركوا ما لم ينسخ، وتركوا ما سوى ذلك"2، فهذه الشروط ونحوها كافية لإبعاد ما هو ليس بقرآن كالتفاسير والأذكار والأحاديث ونحوها.
ولذا نجد عدد سور القرآن الكريم 114 سورة في جميع المصاحف المنتشرة في أنحاء العالم الإسلامي،
وكلّها على الرسم العثماني دون اختلاف بينها.
5. وردت رواية تنص على وجود آياتٍ منزلة لكنها غير موجودة في القرآن منها ما نُسب إلى عمر بن الخطاب أنه قال: «فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف، ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: أن لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم»، وفي رواية منسوبة إلى أبي أنه قال: «كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة وكان فيها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، فهذه الروايات صريحة في وجود آيات بل وأجزاء من سور القرآن غير موجودة في المصحف الذي في أيدي المسلمين.
5
وقد أجاب عنها بعض العلماء بأن هذه الآيات المحذوفة، إنما نسخت تلاوةً وبقيت حكماً، وبعضها نُسخت تلاوة وحكماً، لكن موضوع النسخ في القرآن بحاجة إلى دراسة تأصيلية ونقدية معمقة تستند إلى براهين قطعية لا ظنّية؛ فالنسخ في القرآن قضية عقدية وأصولية خطيرة، وليست بالأمر الهين؛ والإشكال أن كثيرا من الآيات الموجودة بين أيدينا في القرآن قيل إنها منسوخة وحكمها مرفوع، بينما بعض الآيات غير موجودة في مصحفنا كالتي ذكرناها آنفا - قيل إنها منسوخة تلاوةً وحُكمها باقٍ إلى يوم الدين!، وهذه مفارقة عجيبة؛ إذ كيف يكون المثبت في القرآن مرفوع الحكم، ويكون المحذوفُ منه باقي الحكم، وكيف يجوز لأخبار آحاد ظنّية،
1
2
يحيى بن شرف أبو زكريا النووي، التبيان في آداب حملة القرآن، تح: محمد الحجار، ط 3، دار ابن حزم، بيروت، 1994 م، ص 186. محمد عبد العظيم الزرقاني مناهل العرفان في علوم القرآن، ط 3، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، دب، دت، 257/ 1. البخاري، كتاب الحدود، باب رجم الزنا إذا أحصنت، ح:6456. الحبلى من المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب التفسير، تفسير سورة الأحزاب، ح: 3489، قال الحاكم فيه: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، م ن، ص ن.
3
4
5
صحيح
ينظر: مصطفى زيد، النسخ في القرآن - دراسة تشريعية تاريخية نقدية رسالة دكتوراه، ط 3، دار الوفاء، المنصورة، 1987 م، كله.
13