الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٣٢١

ولا يُتصوّر إصلاح لسلوك الفرد والمجتمع وهو مبني على تصوّرات وظنون مخالفة لهدي القرآن العظيم، ومناقضة لقوانينه وكلياته؛ فكيف يبتغى الهداية فيما خالف كتاب الله، وهو الحق الهادي؟!، قال تعالى: قد جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [سورة المائدة: 15 - 16]. ويُعدُّ تحكيم القرآن الكريم في عملية نقد متن الحديث تعظيماً لكلام الله، وتمسكاً به واعتصاماً بهديه، فالتمسك بالكتاب من صفات المصلحين، حيث يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [سورة الأعراف: 170]، فهو الفرقان الذي يفرّق بين الحق والباطل، وهو النور الذي نميز به بين الهداية والضلال، وقد أوضح الله و معيار هذا الفرقان بقوله: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [سورة النساء: 82]؛ أي أن التعارض والاختلاف من شأن كلام غير الله، فينبغي أن يُنزّه عنه وحي الله تعالى، فمن تعظيم كلام الله تعالى وكلام نبيه تنزيههما عن التناقض

والاختلاف.

فإذا كان التحاكم إلى القرآن الكريم من خصال الاستمساك به، فتركه سمة من سمات هجرانه والإعراض عنه، حيث عدّ ابن القيم (ت 751 هـ من أوجه هجران القرآن الكريم: "هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه، واعتقاد أنه لا يفيد اليقين، وأنّ أدلته لفظية لا تحصل العلم، فاعتبر الرجوع إليه عند الخلاف في الأصول والفروع أمرًا واجبًا، والتخلّي عنه وعدم التيقن بآياته مظهرًا وأثرًا للهجران. وإذا كان المسلمون قد اختلفوا في مصادر الحديث من حيث الوثوق بها، واختلفوا في الحكم على بعض الأحاديث؛ فواجب عليهم أن يحتكموا إلى كتاب الله ليفصل بينهم، وإلا عُدُّوا متولّين ومعرضين عليهم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ. فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [سورة آل

عمران: 23 - 25].

عنه

ويصدق

وقد أنبأ الله تعالى عن شكوى نبيه في اليوم الآخر فقال: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [سورة الفرقان: 30]، وأيُّ هجران أكبرُ من رفض الاحتكام إلى كتاب الله تعالى ونبذه وراء

الظهور!.

1 محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، الفوائد، ط 2، دار الكتب العلمية، بيروت، 1393 هـ، ص 82.

302