الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٣٢٢

ثانيا: الآثار العقدية للتكلّف في قبول الرواية المخالفة للقرآن.

تناولنا آنفا ظاهرة التكلّف في تأويل الأحاديث المخالفة للكتاب وقبولها ونشير هنا إلى أن هذه الظاهرة طالت أحاديث العقائد أيضا، ومثال ذلك: الأحاديث التى ظاهرها تشبيه الله بخلقه، حيث فصل ابنُ عقيل (ت 513 هـ) مذاهب العلماء في تأويلها فقال: "أخبار الآحاد إذا جاءت بما ظاهره التشبيه، والتأويل فيها غير محال، لكن يبعد عن اللغة حتى يكون كأنه لغز، هل يوجب ردّها رأسا أو يجب قبولها، ويكلف العلماء تأويلها؟ اختلف الأصوليون في ذلك على ثلاثة مذاهب فقوم قالوا بظاهرها؛ لأن ظاهرها لا يعطي الأعضاء والانفعالات … ؛ المذهب الثاني: ردّوا الأخبار صفحا وكذبوا رواتها واتهموهم بأنواع من التهم، إما بالوضع والكذب على رسول الله، أو عدم الضبط، أو كذب لهم ولم يعلموا، ووضع على أسانيد صحاح، فاغتروا بذلك ورؤوها من غير نظر إلى بعد معانيها عن الله سبحانه؛ والمذهب الثالث قال: يجب قبولها حيث تلقاها أصحاب الحديث بالقبول، ويجب تأويلها لنقضها على ما يدفعها من ظاهرها وإن كان من بعيد اللغة ونادرها"، فذكر أنّ التأويل في تلك الأحاديث غير محال، لكنه بعيد عن عُرف اللغة حتى شبّهه باللغز؛ لشدة التكلف في تأويله، وأورد مذاهب العلماء فيها:

ففريق قالوا بظاهرها دون تأويل، وهو في نظر الباحث - قول ظاهر البطلان؛ لمخالفته مقتضى قوله تعالى:

لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [سورة الشورى: 11]، ولوصف الله وعمل بما لا يليق به من الأعضاء والخصائص البشرية. وفريق آخر رأوا قبول تلك الأحاديث مع تأويلها بأي وجه، وإن كان من بعيد اللغة وغريبها، وهو رأي مرجوح في نظر البحث - إذ لا تطمئن إليه النفس، خاصة وأن مدار أدلة هذا المذهب على "أن رواة هذه الأخبار والمتلقين لها بالقبول هم العدول، الثقات فلا وجه لردّ أخبارهم مع إمكان تأويل ما جاؤوا به، وهذا يحمل من تقديس عمل الرواة وتنزيههم عن الخطأ ما يحمل، وإنما قد يُقبل ما تأويله قريب مستساغ.

2"

والفريق الثالث: رأوا عدم قبول تلك الأحاديث ونسبة الخطأ إلى الرواة، النقلة وهذا هو الأرجح في نظرنا؛ إذ ترك الاعتقاد بالظني إذا ظهرت معارضته للقطعي أولى من تمحّل التأويلات، له وبخاصة في مسائل الإيمان، كما أن نسبة الخطأ إلى الرواة أهون من وصف الله تعالى بما لا يليق بجلاله وعظمته فالله تعالى أعزّ وأجل من أن تُنسب إليه صفات المخلوقين، ثم يُتكلّف في تأويلها وتبريرها بما هو خارج عن معهود اللغة.

ولا ينبغي قياس ما جاء في تلك الأحاديث بما ورد في القرآن الكريم مما يُتوهّم منه التشبيه، فلا قياس مع الفارق الجلي؛ فالقرآن كله قطعي في ثبوته والتعارض بين قطعيين مرفوض عقلا، وشرعا، ولذلك لا بد فيه من البحث عن سبل الجمع والتوفيق بما لا يخرج عن معهود اللغة وعُرفها.

1

علي ابن عقيل الظفري، الواضح في أصول الفقه تح: عبد الله التركي، ط 1، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1999 م، 473/ 5 - 474.

2 م ن، 474/ 5.

303