الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٣٢٣

أما التعارض بين القطعي والظني فجائز عقلا، ومخرجه أن يُقدّم الأقوى على ما دونه، ولا يُشتغل بتأويله إلا

على سبيل التنازل والتبرع، وإلا فلسنا ملزمين بتأويله، خاصة في مسائل الإيمان؛ لأنه ليس يجب تأويل إلا ما كان موجباً للقطع وهو المتواتر، أما الآحاد فليس كذلك، كما قال الجويني (ت 478 هـ) في قوله: "وليس يتحتم علينا أن نتأوّل كل حديث مختلق، كيف وقد بينا أن ما يصح في الصحاح من الآحاد لا يلزم تأويله إلا أن نخوض فيه مسامحين؛ فإنه إنما يجب تأويل ما لو كان نصا لأوجب العلم، فهو يرى أنّ تأويل الحديث الصحيح المخالف للقطعي أمرٌ غيرُ، لازم، فيمكن الاستغناء عنه بردّ الحديث أو التوقف فيه، وإنما يجب التأويل للمتواتر المخالف للقطعي؛ لأن التعارض لا يصح بين قطعيين، فلا بد من التوفيق بينهما.

فما دام مطلوبا في مصادر الإيمان القطعُ واليقين؛ فبإمكاننا أن نستغني عن تأويل الحديث المخالف للقرآن، خاصة إذا كان بعيدا ومتكلّفا، طالما أن ما جاء فيه أمور ظنية، غير ملزمة الإيمان، وهو ما أشار إليه الرازي (ت 606 هـ) بقوله: "هذه الدلائل النقلية إما أن يقال عنها إنها غير صحيحة، أو يقال إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها؛ ثم إن جوّزنا التأويل اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل، وإن لم نجوّز التأويل فوّضنا العلم بها إلى الله تعالى، فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات فبيّن أنّ الأدلة النقلية المخالفة للقطعي حكمُها إما أن تُضعَّف فلا تُقبَل وإما أن تؤوّل إلى غير ظاهرها، مع كون

6

6

41

ذلك التأويل إنما جاز إعماله تبرعا؛ أي تجوزا لا إلزاماً، فبالإمكان الاستغناء عنه والتوقف في الحديث وتفويض

العلم به إلى الله تعالى. وقال ابن حجر (ت 852 هـ) عن إحدى تأويلات النووي (ت 676 هـ): "نسبة السهو إلى شخص ليس أولى من هذا التعسف"، فبيّن أنّ الترجيح أولى من الوقوع في تكلّف التأويل. والاشتغال بتكلف التأويل ولي أعناق الآيات أو الأحاديث الآحاد المخالفة لها يتنافى وتعظيم كلام

بمعصوم أولى

الله

والإقرار بحاكميته وهيمنته على ما سواه، وهو تقديم لغيره عليه وإن من دون قصد، في حين يقول الله تعالى عنه: كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [سورة الأعراف: 2 - 3].

قال الجصاص (ت 370 هـ): في تفسير الآية: قَوْلُهُ: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ .. دليلٌ على وجوب اتباع القرآن في كل حال، وأنه غير جائز الاعتراض على حكمه بأخبار الآحاد؛ لأن الأمر باتباعه قد ثبت

الجويني، الشامل في أصول الدين، مرجع سابق، ص 561.

1

2

3

4

5

سبق البرهان على هذه المقدمة في الفصل الأول من البحث.

سياقه عن

الأدلة النقلية المخالفة للقطعي من الأدلة العقلية وإسقاطه على ما يخالف القرآن من باب أولى.

محمد بن عمر فخر الدين الرازي، أساس التقديس، مرجع سابق، ص 221.

العسقلاني، فتح الباري، مرجع سابق، 112/ 3.

304