الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٣٢٤بنص التنزيل، وقبول خبر الواحد غير ثابت بنص التنزيل، فغير جائز تركه؛ لأنّ لزوم اتباع القرآن قد ثبت من طريق يوجب العلم، وخبر الواحد يوجب العمل، فلا يجوز تركه ولا الاعتراض به عليه؛ وهذا يدلّ على صحة قول أصحابنا في أن قول من خالف القرآن في أخبار الآحاد غير مقبول، وقد رُوي عن النبي أنه قال: «ما جاءكم مني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فهو عنّي، وما خالف كتاب الله فليس عني»، فهذا عندنا فيما كان وروده من طريق الآحاد فأما ما ثبت من طريق التواتر فجائز تخصيص القرآن به 2، فأكد على وجوب اتباع القرآن الذي ثبت بالتواتر وأوجب علم اليقين وعدم الاعتراض على حكمه بأحاديث الآحاد الظنية، مؤيدا قول الأحناف بوجوب عرض الحديث على القرآن الكريم، ومستدلاً بحديث العرض المذكور.
ويرى معتز الخطيب أن التأويلات والإجابات المتكلّفة التي وردت في كتب مختلف الحديث ومشكله "ربما أقنعت السابقين أو بدت مقنعة وفق منطق إيماني يمارس العقل والنقد ضمن حدود محدودة، لكنها بالتأكيد لم تعد مقنعة للمسلم المعاصر الذي يتسلّح بالعقل النقدي، ويفكّر بحرّية كبيرة، ويقف على أرضية معرفية حديثة، فضلاً عن اختلاف السياق التاريخي الذي تتمّ فيه كل تلك العملية، ففي السابق كانت تتم في سياق محاولة سد ثغرات قد تبدو هنا أو هناك، وفي محاولة إضفاء تصوّر يُظهر المنظومة التراثية منسجمة ظاهرًا وفق منطقها الداخلي، أما الآن فتتعدّد السياقات"، فإذا كان دفاع بعض السابقين عن التراث وحمايته من شبهات المشككين بذلك المنهج -ربما- مُجديا في زمانهم؛ لكنه في هذا العصر لم يعد كذلك؛ إذ ينبغي أن يكون بتفعيل المقاييس العلمية في نقده وتنقيته من الدخيل، وأن يتمّ منهج التجديد والنقد "وفق أرضية معرفية بعيدًا عن التقديس أو التنزيه، في محاولة تعتبر الوفاء للذات والتراث والعصر إنما يتم بناءً على عقلية نقدية وممارسة حرّة ومسؤولة، فالنقد البناء للتراث يعد من صميم خدمته والوفاء له، وليس هدمًا أو إنكارا له برمته.
وينبغي النظر بجد في الأبعاد والآثار التي تتركها ظاهرة التكلّف لتبرير إبقاء الأحاديث المعارضة للقرآن، فبقاؤها يجعلها تشكل جزءا من الثقافة الدينية العامة، مع أنّ تأويل تلك الأحاديث لا يكون حاضرا دوماً في أذهان الناس؛ فقد يؤخذ الحديث من مصادره وبطونه محرَّدًا عن التأويل السليم فيُعتقَد بظواهره، فتنتج عن ذلك عواقب سلبية وخيمة؛ ويُفترض من عالم الدين ألا يكرّس التصوّراتِ المناقضة لكليات القرآن، المشوشة على مقاصد الدين ومفاهيمه، ولا يخترع الوسائل لإبقائها وتبريرها، وإنما دوره إصلاح التصوّرات وعلاج الأمراض علاجًا جذريا بطرد الأفكار الضارّة والتخلّص منها وتجفيف منابعها حتّى لا يعود المرض من جديد.
305
سبق تخريجه ودراسته في التأصيل الحديثي للعرض.
الجصاص، أحكام القرآن، مرجع سابق، 201/ 4.
معتز الخطيب، عرض الحديث على القرآن، مرجع سابق، ص 2.
1
2
3
4 م ن، ص ن.