الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٣٢٦

تلك الأحاديث، ولم تتهم هؤلاء الصحابة بالكذب وإنما قالت في شأن رواية ابن عمر لحديث «الميت يعذب ببكاء أهله عليه»: "رحم الله أبا عبد الرحمن، سمع شيئا فلم يحفظه 2، وفي رواية قالت: "يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما أنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ، وفي رواية أخرى قالت: "أما والله ما تحدثون هذا الحديث عن

كاذبين ولا مكذبين، ولكن السمع يخطئ"، فلم ينكر عليها الصحابة هذا النقد، ولم يتهموها بإنكار السنة. ويرى الجويني (ت 478 هـ) أنّ الحكم على الأحاديث من مسائل الاجتهاد، واستدل على ذلك بعمل الصحابة حيث قال: "والدليل القاطع فيه: أنا نعلم أنه كان يقع في عصر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث يقبلها بعض، ويتوقف عن قبولها آخرون، ثم كان القابلون لها لا يُعابون، ولا يكثر النكير عليهم من الرادين، وكانوا يجرون ذلك مجرى المجتهدات في مظان الاحتمالات"؛ ففيه اختلاف في التقدير، وفي الأمر سعة، مع سلامة النية وابتغاء

الحق.

لذا لا ينبغي التسرّع إلى اتهام الباحثين عند استشكالهم أو توقفهم في حديث صحيح بدا لهم معارضاً لنص القرآن؛ فالأصل أن النية هى الذب عن حديث النبي الذب عن حديث النبي وتنقيته مما ليس منه، والدفاع عن دين الإسلام أن يوجد بين نصوصه التعارض والاختلاف، فلا يصح إساءة الظن بنية الباحث واتهامه في معتقده ودينه، فالله تعالى أمر باجتناب سوء الظن؛ إذ يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [سورة

الحجرات: 12].

والاختلاف في حديث آحاد في مجال الإيمانيات هو اختلاف في فروع العقيدة وليس في أصولها، وهو من الخلاف المشروع، وليس من الاختلاف المذموم، وتارك الظنّي لا يفسق ولا يكفّر إذا كان مستندا إلى دليل، قال محمد رشيد رضا: "التفرقة بين ما ثبت بنص القرآن من الأحكام وما ثبت بروايات الآحاد وأقيسة الفقهاء ضرورية؛ فإنّ من يجحد ما جاء في القرآن الكريم يُحكَم بكفره، ومن يجحد غيره يُنظر في عُذره؛ فما من إمام مجتهد إلا وقد قال أقوالاً مخالفة لبعض الأحاديث الصحيحة لأسباب يُعذَر بها، وتبعَه النَّاس على ذلك، ولا يَعُدّ ذلك أحدٌ عليهم خروجاً من الدين، فما كان قطعي الثبوت والدلالة فهو مما لا يسع الخلاف فيه، أما ما كان ظنيا في ثبوته أو دلالته أو كليهما فيسَعُ فيه الاجتهاد والخلاف.

611

1

2

3

سبق تخريجه في التأصيل الحديثي للعرض.

1597

صحيح مسلم، کتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه، ح: صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه، ح: 1599، وبلفظ قريب في الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب، ب، کتاب الجنائز، باب 20 فِي الْقُبُورِ، ح 483، مرجع سابق، ص 195.

4

5

6

السنن الصغرى للنسائي، كتاب الجنائز، النياحة على الميت، ح: 1844؛ صححه

عبد الملك الجويني، البرهان في أصول الفقه،

مرجع

سابق،

محمد رشيد رضا، تفسير المنار، مرجع سابق، 94/ 3.

378/ 1

الألباني.

307