الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٣٢٧

وحتى لو كانت المسألة المختلف فيها من الأصول التي لا يسع فيها الخلاف؛ فلا ينبغي أن يجنح المختلفون

إلى الأحكام التقويمية من التكفير والتفسيق والتضليل، بل عليهم أن يلتزموا بآداب الحوار، واحترام وجهات النظر، وترك الحكم والفصل الله تعالى، فهو الذي يقضي بينهم بحكمه يوم الفصل، كما قال تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ. وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ. اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [سورة الحج: 67 - 69]. وليس المراد الأساس أن يُردَّ الحديث أو يُقبَل، وإنما المراد أن يُردَّ المعنى المخالف لصريح القرآن، ويُقبل المعنى

الموافق له.

وينبغي على علماء الأمة بمختلف مدارسها أن يعملوا على تخليص إيمان الأمة وعقيدتها من الشوائب والأفكار الدخيلة والمضافات المقحمة من خلال الأحاديث المخالفة لصريح القرآن التي شكلت آصارا وأغلالاً، كبلتها ومنعتها من أداء دورها الحضاري الريادي وألقت بها في أتون فتن وحروب طاحنة لا تُبقي ولا تذر، ولا تصبّ إلا في مصلحة الأعداء ومطامحهم في تفريق الأمة وتمزيقها لإضعافها وإذلالها والتسلّط على أراضيها وثرواتها. المبحث الرابع: المنهجية المتعلقة بالحديث المستقل عن القرآن.

مسألة استقلال السنة بالتشريع وإن كانت تَرِدُ ضمن مباحث أصول الفقه والتشريع؛ إلا أنها لا تبتعد في

من

زاوية منها عن تخصص العقيدة؛ فقد سبق أن ذكرنا - في مطلب خطوات العرض أن النتيجة الثالثة المحتملة نتائج عرض الحديث على القرآن أن نجد الحديث المعروض ليس موافقا ولا مخالفا له بل أتى بمعنى مستقل، وهذا في مجال العقائد وغيره؛ ولذا لا بدَّ من التطرق للمسألة بالقدر الذي يتصل بموضوع العرض، وذلك ببيان مفهوم الحديث المستقل، وتحرير محلّ النزاع في حجيته في الإيمانيات (العقائد)، ثم مناقشة الأحكام العقدية المتعلقة به. المطلب الأول: مفهوم الحديث المستقل وثبوته.

ونتطرّق فيه إلى تعريف الحديث المستقل، والاختلاف في ثبوته.

أولا: تعريف الحديث المستقل.

ذكرنا فيما سبق أن الحديث المستقل هو الذي لا تظهر فيه الموافقة ولا المخالفة للنص القرآني، وقد أورده الشاطبي ضمن أقسام الأدلة الشرعية فقال: "هو الظني الذي لا يشهد له أصل قطعي ولا يعارض أصلاً قطعياً، فهو في محل النظر "، فعرفه بأنه دليل ظني، لا يدلّ على مضمونه أصل قطعي ولا يصادمه، فهو محايد،

1،

وحكمه أنه قابل للنظر والاجتهاد.

308

الشاطبي، الموافقات، مرجع سابق، ص 468.

1