الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٣٢٩طاعته،
الله إلا وجدت له تصديقا في القرآن، حتى وجدت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [سورة هود: 17] قال: "من الملل كلها، فهذا التابعي يحرص على البحث عن مصداق أي حديث من كتاب الله تعالى، وما من حديث بلغه عن رسول الله الله إلا وجد في القرآن ما يدلّ عليه. حكى الشافعي (ت 204 هـ) الخلاف في السنة التي لم ينص عليها الكتاب، وأورد آراء العلماء فيها فقال: والوجه الثالث ما سنَّ رسول الله فيما ليس فيه نص كتاب فمنهم من قال جعل الله له، بما افترض من وسبق في علمه من توفيقه لرضاه أن يَسُنَّ فيما ليس فيه نص كتاب ومنهم من قال لم يسن سنة قط إلا ولها أصل في الكتاب، كما كانت سُنّته لتبيين عدد الصلاة وعملها على أصل جملة فرض الصلاة، وكذلك ما سنَّ من البيوع وغيرها من الشرائع، لأن الله قال: لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [سورة النساء: 29]، وَقَالَ: وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا (سورة البقرة: 275]، فما أحل وحرَّم فإنّما بيَّن فيه عن الله، كما بَيَّن الصلاة"، فبين وجه في المسألة، أن وهو بعض العلماء أثبتوا أن في السنة ما لم ينص عليه الكتاب، وهو مفروض الاتباع بما أوجب الله تعالى من طاعة نبيه، وبعضهم قالوا: ليس في السنة شيء إلا وله أصله من الكتاب، ولو على سبيل
الخلاف
الإجمال.
ولم يرجح الشافعي بين هذه الأقوال، وإنما عقب عليها بقوله: "وَأَيُّ هَذَا كَانَ، فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ أَنَّهُ فَرَضَ فِيهِ طَاعَة رَسُولِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ عُدْرًا بِخِلَافِ أَمْرٍ عَرَفَهُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ، أي فما دام ثبت نص أنه من السنة فواجب العمل به؛ سواء أكان له أصل من القرآن أم لا.
وعقب على حديث الأريكة فقال: " وفي هذا تثبيت الخبر عن رسول الله وإعلامهم أنه لازم لهم، وإن لم "وفي يجدوا له نص حكم في كتاب الله "، وأورد أمثلة كثيرة على ذلك، فبيّن أن ما ورد في خبر الواحد العدل مما لم الله"، يوجد فيه نص الكتاب حجّة يلزم الأخذ به، ويُلحظ أن الأمثلة التي أوردها كلها فقهية عملية، وليس من مسائل
الإيمان.
ويظهرُ من نصوص أخرى له أنه يرى أن أصل السنة من الكتاب، حيث قال: "وما سنّ رسول الله فيما ليس الله فيه حكم، فبحكم الله سنّه، وكذلك أخبرنا الله في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة
1
2
3
4
5
نقله: إسماعيل بن عمر ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق، 271/ 4.
الشافعي،
الرسالة، مرجع
م ن، ص 82
سابق، ص 80 - 81.
سبق ذكره وتخريجه في مطلب التأصيل الحديثي للعرض.
الشافعي، الرسالة، مرجع سابق، ص 211.
6 م ن، ص 211 - 232.
310