الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٣٣٠

الشورى: 52]، فاستدلّ بالآية على أن حكم النبي راجع إلى حكم الله، ثم أضاف: "وَمِنْهَا: مَا بَيَّنَهُ عَنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ بِلَا نَصِّ كِتَابٍ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْهَا بَيَانٌ فِي كِتَابِ اللهِ، فَكُلُّ مَنْ قَبِلَ عَن اللَّهِ فَرَائِضَهُ فِي كِتَابِهِ قَبِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ سُنَنَهُ بِفَرْضِ اللَّهِ طَاعَةَ رَسُولِهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَأَنْ يَنْتَهُوا إِلَى حُكْمِهِ، وَمَنْ قَبِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، فَمِنَ اللَّهِ قَبِلَ لِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ مِنْ طَاعَتِهِ "، فيُفهم من قوله: "وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْهَا بَيَانٌ فِي كِتَابِ اللهِ" أنه حصر مهمة السنة في بيان الكتاب؛ أي دون إضافة أمور مستقلّة.

2

وأكد ذلك في موضع آخر مستدلاً عليه بالقرآن الكريم حيث قال: "إن الله وعمل وضع نبيه من كتابه ودينه

بالموضع الذي أبان في كتابه، فالفرض على خلقه أن يكونوا عالمين بأنه لا يقول فيما أنزل الله عليه إلا بما أنزل عليه، وأنه لا يخالف كتاب الله وأنه بيّن عن الله عز وعلا معنى ما أراد الله، وبيان ذلك في كتاب الله عل، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [سورة يونس: 15]، وقال الله ل لنبيه واتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [سورة الأنعام: 106]، وقال مثل هذا في غير آية"، فاستدل بالآيات القرآنية على أن النبي الله لا يخرج عن نطاق ما أوحى الله وكل إليه، ولا يخالف كتاب الله في شيء، وأن دوره مقتصر على الاتباع والتبيين لا غير.

6

411

بل صرّح في موطن آخر بتبعية السنة للكتاب، فقال: "السنة لا تكون أبدًا إلا تبعاً للقرآن مثل معناه، ولا تخالفه؛ فإذا كان القرآن نصا مثله فهي مثله، وإذا كان جملةً؛ أبانت ما أريد بالجملة، ثم لا تكون إلا والقرآن محتمل ما أبانت السنة منه فبيّن أن السنة تابعة للكتاب تشبه ما جاء فيه ولا تعارضه، وأكد – بصيغة الحصر- أنها إما تكون مطابقة تماما لنصه وإما أن تكون مفصلة لإجماله على أن ذلك المفصَّل من السنة يحتمله مجمل القرآن وليس تشريعا جديدا ورد في السنة مستقلاً، وبهذا يترجّح أن الشافعي لا يذهب إلى استقلال السنة بالتشريع. ويؤيد هذا ما نقله ابن كثير عن الشافعي أنه قال: "كلّ ما حَكَمَ به رسول الله فهو مما فهمه من

القرآن"، وإذا صحت هذه النسبة فإنه يدلّ على قوله الجازم بتبعية السنة للكتاب وعدم استقلالها عنه. ابنُ بَرَّجان (ت 627 هـ) قال في تفسيره "الإرشاد": "ما" قال النبي من شيء فهو في القرآن، وفيه أصله، قرب أو بعد، فهمه من فهمه، وعمة عنه من عمة، قال الله تعالى: مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَبِ مِن شَيْءٍ} [سورة الأنعام: 38]، فاستدل بهذه الآية على أن أصل كل شيء في حديث النبي هو من الكتاب، وليس مستقلاً عنه.

1

الشافعي،

الرسالة،

مرجع

سابق، ص 78 - 79.

2 الشافعي، الرسالة، سابق، ص 44. مرجع

3

4

5

محمد بن إدريس الشافعي جماع، العلم، مرجع سابق، ص 118.

الشافعي،

اختلاف الحديث، مرجع سابق، ص 97؛ وينظر له: الرسالة، مرجع سابق، ص 83.

3 إسماعيل بن عمر ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق، 8/ 1.

311