الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٣٣٧

له أصل في القرآن؛ فإنّ النتيجة واحدة هي وجوب الأخذ والطاعة"؛ أي مهما كان الخلاف في مهمة النبي التبيين فحسب أم التشريع أيضا؛ فالموقف في النهاية، واحد وهي وجوب طاعته واتباعه.

أهي

فيظهر من كلامه أن الخلاف في المسألة لفظي وليس معنويا؛ فالكل يقرّ بوجود الزيادة في السنة، بينما اختلفوا في تسمية ذلك استقلالا أو بيانا، وهو ما ذهب إليه السباعي (ت (1964 م) في قوله: "وأنت ترى أن الخلاف لفظي، وأن كلا منهما يعترف بوجود أحكام في السنة لم تثبت في القرآن، ولكن أحدهما لا يسمّي ذلك استقلالا، والآخر يسمّيه، والنتيجة واحدة" 2؛ فالخلاف إذن ليس في وجود هذا القسم وإنما في مخرجه؛ أي هل هذا القسم مستقل فعلا أو مندرج تحت كليات القرآن وأُطره.

وبالرغم من كون الخلاف لفظيا فإننا نستشكل مصطلح الاستقلال؛ ونستفسر عمّن أحدثه؟، حيث يبدو أنه متأخر الظهور، ثم أُسقط على مقولات المتقدمين في بيانهم لوجود الزيادة على القرآن في السنة، بينما عند التدقيق قد لا يصلح هذا الإسقاط، فهذا المصطلح هو الذي أثار نقطة الخلاف؛ لأن مقتضاه أن النبي يشرع بنفسه مستقلاً. عن كتاب الله، مما يُوهم الندية الله تعالى في التشريع، وهو ما يُنزّه عنه الله تعالى ورسوله معا. ومن الأدلة على تبعية السنة للكتاب ما صرّحت به النصوص القرآنية الكثيرة من حصر وظيفة النبي في الإنذار والتذكير واتباع الوحي المنزل، كقوله جل شأنه: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [سورة فاطر: 23]، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ [سورة الرعد: 7]، فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكَّرُ﴾ [سورة الغاشية: 21]، {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ [سورة الأحقاف: 9].

وفوق ذلك نجد آيات عديدة تأمره بأن الإنذار والتذكير يكون بالقرآن، كقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ [سورة الأنعام: 19]، ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [سورة الأنعام: 51]، كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [سورة الأعراف: 2]، فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدَّا} [سورة مريم: 97]، وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [سورة الشورى: 7]؛ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [سورة ق: 45] … الخ؛ فدل هذا على أن سنّته الشريفة اللي مرتبطة تمام الارتباط بالكتاب المجيد، وغير مستقلة عنه، ومنه نرجح القول بتبعية السنة للكتاب وعدم استقلالها عنه.

وأوضح الشاطبي كيفية اشتمال القرآن الكريم على أحكام السنة، وأوجه ذلك، فذكر منها: ما هو عام جدا، أي أن القرآن دلّ على وجوب العمل بالسنة، فكل عمل بالسنة هو عمل بالقرآن، فهذا وجه؛ ومنها: النظر إلى ما دلّ عليه الكتاب في الجملة، وأنه موجود في السنة على التفصيل؛ ومنها: النظر إلى أن السنة جاءت

محمود عبد المجيد، الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث في ق 3 هـ، مرجع سابق، ص 218. مصطفى السباعي، السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، مرجع سابق، ص 573.

318

1

2